ومن أشراط الساعة الكبرى كذلك،خروج يأجوج ومأجوج وظهور الدخان
- أحمد صديق

- 25 مايو 2021
- 9 دقيقة قراءة
إن قصة يأجوج ومأجوج مؤكدة في القرآن كما في السنة. ففي سورة الكهف: " ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) "، ومن خلال تفسير ابن كثير مستكملا إن اقتضى الحال بما في التفسير الوجيز للزحيلي، في الآية 92: يقول الله تعالى مُخبرا عن ذي القرنين: ثم سلك طريقا من مشارقة الأرض.
وقبل هاته الآية 92 ومن نفس السورة :" وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) " أي " وَيَسْأَلُونَكَ " يا محمد " عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ " عن خبره، ولقد بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح فنزلت سورة الكهف. ولقد اختلفت أقوال العلماء حول هوية ذي القرنين، عن ابن عباس: كان ذو القرنين ملكا صالحا رضي لله عمله، واثنى عليه في كتابه، وكان منصورا، وكان الخضرُ وزيرهُ، وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه، وكان عنده بمنزلة المشاور، الذي هو من المَلك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم. وقد ذكر الأرزقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي ابراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو واسماعيل عليه السلام. وروي عن عبيد بن عمير وغيره، أن ذا القرنين حج ماشيا وأن ابراهيم لما سمع بقدومه تلقاه، ودعا له ورضاه، وإن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أرادن والله أعلم، كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية - وفي التفسير الوجيز للزحيلي: قيل أن الملك الفارسي الصالح قورش هو ذو القرنين- وفي البداية والنهاية، بين ابن كثير كذلك الاختلاف حول السبب الذي سمي به ذا القرنين، فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين، قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في راسه، وهذا ضعيف. وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطاقهما، فسمي ذي القرنين. وتجدر الإشارة إلى ان ابن كثير يعتبر أن القول بكون الإسكندر المقدوني اليوناني هو ذو القرنين فيه خطأ كبير. ولأن الاسكندر كان مشركا، وفي الآية 83 وبإيجاز: اعطيناه ملكا عظيما ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، ولهذا ذكر بعضهم أنه سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وآتيناه علما كما قال عباس وغيره، أو منازل الأرض وأعلامها، كما قال قتادة، أو تعليم الالسنة، كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم، كما قال عبد الرحمان بن زيد.
وفي الآية 93: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ " وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالسة آدم عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين: " إن الله تعالى يقول : يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعْثَ النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فيقال : إن فيكم أمّتين، ما كانتا في شيء إلا كثَّرتَاه: يأجوج ومأجوج" (وفي رواية البخاري والتي لم يرد لفظها في تفسير ابن كثير: " يقول الله تعالى " يا آدم فيقول لبيك وسعديك، والخير في يديك: فيقول : اخرج بعث النار قال: وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد" قالوا : واينا ذلك الواحد؟ قال " أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف" )، وقوله "وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا " اي لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس (أو كما قال الزحيلي، في تفسيره الوجيز: حتى إذا وصل بين جبلين عظيمين، وهما بين ارمينية وأذربيجان أو بين بحر قزوين والبحر الاسود- والظاهر هذا- بين المغول والتتر في الشمال، وبين سكان آسيا في الجنوب، فلما وصل إلى ذلك المكان، وجد من ورائهما من جهة الجنوب، قوما لا يفقهون كلام غيرهم)، وفي الآية 94: " قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا " عن ابن عباس، أجرا عظيما، يعني : أنهم اردوا أن يجمعوا له من بينهم ما لا يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدا ( أو كما في التفسير الوجيز للزحيلي، قالوا: يا ذا القرنين- وكان يفهم لغتهم أو من طريق ترجماه- إن قبيلتي التتر والمغول اللتين تسكنان الجزء الشمالي من قارة آسيا مفسدون في الأرض بالإغارة والقتل وإتلاف الزروع ونهب الأموال، فهل نجعل لك جُعْلا من المال نخرجه لك على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزا منيعا)، وفي الآية 95: فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: " مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ " أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، الذي أنا فيه خير من الذين تبذولنه، ولكن ساعدوني " بقوة " اي بعملكم وآلات البناء " أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا" (اي كما في التفسير الوجيز للزحيلي: اجعل بينكم وبينهم حاجزا حصينا، أكبر من السد وأحكم، وهو السد المبني بالحجارة)، وفي الآية 96: " آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ " ، والزبر: جمع زُبْرَة، وهي القطعة منه، " حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ " أي: وضع بعضه على بعض من الاساس حتى إذا به رؤوس الجبلين طولا وعرضا، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال (أو كما في تفسير الزحيلي: حتى إذا ردم ما بين جانبي الجبلين على نحو مساو لهما في العلو، " قَالَ انْفُخُوا " اي: أجّج عليه النار حتى صار كله نارا، " قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا "، هو النحاس، كما قال ابن عباس وغيره، وزاد بعضهم: المذاب (فالتصق المعدنان ببعضهما، وصار السد جبلا صلدا أملس، وهذا ما في تفسير الزحيلي)، وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال يا رسول الله، قد رأيت سد ياجوح ومأجوج، قال " انعته لي" قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء ، قال: " قد رأيته"، هذا حديث مسترسل (وقد روى موصلا من طرق: ابن مردويه والبزار)، والبرد من البرد اليمانية المعروفة عندهم وتسمى الحبرة، والمحبَّر = المخطط، أي فيه خطوط. وفي الآية 97 يقول: تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد ولا قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السيد ولا قدروا على نقبه من اسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من تقبه من اسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من تقبه قَابل كلا بما يناسبه فقال : " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا "، وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (عن أبي هريرة): " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، ويستثنى، فيعودون إليه وهو كهيئته، حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع وعليها هيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نَغَفا في أقفائهم، فيقتلهم بها" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم" (والنَّغَف= دود تكون في أنوف الإبل الغنم)، وعن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم (كما قال سفيان ): استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه، وهو محمر وجهه، وهو يقول " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرقد اقترب: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " وحلَّقَ بأصبعيه، الإبهام والتي تليها، قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : " نعم إذا كثر الخُبْثُ"، والخبث اصطلاحا= الشر والباطل ولغة الخبث نقيض ما هو طيب (ونحو الحديث رواه كذلك عن أبي هريرة البخاري ومسلم)، وفي الآية 98: قوله " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي " أي: لما بناه ذو القرنين " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي " اي : بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد، " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي " ، أي: إذا اقترب الوعد الحق " جَعَلَهُ دَكَّا" أي: ساواه بالأرض، وقال عكرمة في قوله: " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّا " قال: طريقا كما كان، " وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " اي: كائنا لا محالة وفي الآية 99 : قوله " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " أي: الناس يومئذ أي: يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " قال: ذاك حين يخرجون على الناس، قال ابن زيد في قوله : " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " قال: هذا أول يوم القيامة، "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ "، على اثر ذلك " فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا "، وقال آخرون، بل المراد بقوله: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا " أي احضرنا الجميع للحساب.
وفي سورة الأنبياء: " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) " ومن خلال تفسير القرطبي، في الآية 96: قوله تعالى : " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ " أي إذا فتح سد يأجوج ومأجوج " وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " قال ابن عباس: من كل شَرَف يقبلون، أي: لكثرتهم ينسلون من كل ناحية، والحَدَبُ: ما ارتفع من الأرض، والجمع: الحِداب، مأخوذ من حدبة الظهر، وقيل " ينسلون" يخرجون، وقال الزجاج: والنَّسَلان مِشية الذئب إذا أسرع، ونسل = أسرع، ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الاظهر، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وقيل : جميع الخَلْق، فإنهم يُحْشرون إلى ارض الموقف وهم يسرعون من كل صوب. وفي الآية 97: " وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ " يعني القيامة، قال الفراء والكسائي وغيرها: الواو زائدة مقحمة، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق. ف" اقترب " جواب " إذا" وقوله تعالى : " فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ "، "هي" ضمير الابصار، والابصار المذكورة بعدها تفسير لها، كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شَخَصَتْ عند مجيئ الوعد.
ومن جهة أخرى، في السنة تأكيد فساد وهلاك يأجوج ومأجوج. فمن الحديث الذي أخرجه مسلم : " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، فيقولون : لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما"، وجبل الخمر= جبل بيت المقدس، ونشابهم= نبالهم وسهامهم. وفي الحديث الذي اخرجه مسلم كذلك: " إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادا لا يُدان لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيمر أولئك على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله النَّغَفَ في رقابهم، فيصبحون فرْسَى كموت نفس واحدة، ثم يُهْبطُ بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه، زَهَمُهَم ونتْنهم، فيرغب نبي الله عيسى واصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البُخْث فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله". ولا يُدان لأحد بقتالهم= لا قدرة لأحد على قتالهم، وحرِّز عبادي إلى الطور= ألجأهم إليه واجعله لهم حصنا منيعا (حِرْزا)، ويُحْصر، = يُضَيّق عليه، وللتذكير: النغف= دود يكون في أنوف الإبل والغنم، وفَرْسى = قتلى، وزَهَمُ = نتن الجيف، ونتنهم = خبث رائحتهم ( فهي عفنة)، والبُخْث = الإبل.
وبالنسبة للدخان، وبصفة خاصة كعلامة أخرى من علامات الساعة الكبرى، فقد ورد ذكره في السورة التي تحمل اسمه (الدخان) : " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) " أي بإيجاز وكما قال المفسرون، كالطبري أو الزحيلي: فانتظر يا محمد ما يحل بهؤلاء المشركين المستهزئين يوم تأتي السماء فيه بدخان مبين، هو آية من آيات الله مُرسلة على عباده قبل مجيئ الساعة، وهذا القول لابن عباس وبعض الصحابة والتابعين. وفي الحديث إن هذا الدخان : " يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره" (رواه كذلك البيضاوي وله شاهد في ما رواه أبو حاتم)، والزكام= أي الالتهاب الحاد المميز غالبا بالعُطاس والتدميع وإفرازات مائية من الأنف.
وقال آخرون (عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف) إن هذا الدخان هو ما أصاب قوم الرسول صلى الله عليه وسلم، من الجَهَد بدعائه عليهم. ولقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود: إن قريش لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطؤوا عن الإسلام، قال : " اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف" فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله " فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ... " فأُتِىَ النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فاستسقى لهم فسُقوا.
وهناك تأويل ثالث للدخان مرجعه أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين القولين: فهما دخانان ظهرت آثار أولهما وبقيت الأخرى، وفي التذكرة للقرطبي قول مجاهد أن ابن مسعود كان يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه.


تعليقات