وفي الآخرة مشاهد أخرى مثيرة
- أحمد صديق

- 17 يونيو 2021
- 8 دقيقة قراءة
في سورة الأعراف:
" يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)"
وهكذا، من خلال صفوة التفاسير أو مصادر أخرى مبينة، حين الإحالة عليها، في الآية 35: (إن (ما ) يأتيكم، أيها الناس، رسلي منكم (وإليكم) يبينون الأحكام والشرائع، فمن اتقى (منكم) الشرك (مقبلا على ربه)، وأصلح عمله (فاعلا للطاعات وتاركا المحرمات) فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة.
وفي الآية 36: والذين كذبوا واستكبروا عن الإيمان بما جاء به الرسل (فلم يؤمنوا بآياتنا وتكبروا عنها) فأولائك في نار جهنم ماكثون فيها أبدا.
وفي الآية 37: فلا أحد أظلم ممن تعمد الكذب على الله (بنسبة الشريك والولد له) أو كذب بآياته المنزلة (القرآن) أولائك يصيبهم حظهم (في الدنيا) مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والآجال وغيرها، حتى إذا جاءت ملائكة الموت تقبض أرواحهم قالوا (لهم تبكيتا) أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ (ادعوهم ليخلصوكم من العذاب؟، قالوا (أي الأشقياء المكذبون): لقد غابوا عنا (فلم نرهم ولا نرجو نفعهم)، واعترفوا (عند الموت) بالكفر والضلال).
وفي الآية 38: قال الله تعالى (يوم القيامة) لهؤلاء المكذبين بآياته: ادخلوا في جملة أمم (أمثالكم)، خلت (قبلكم) من الإنس والجن، في نار جهنم، كلما دخلت طائفة (أمة) النار لعنت التي قبلها لضلالها بها (يلعن الأتباع القادة كما قال الألوسي في روح المعاني، والمراد أن أهل النار يتبادلون اللعنة بينهم) حتى إذا تلاحقوا في النار واجتمعوا فيها كلهم، قالت أخراهم (وهم الأتباع) لأولاهم (وهم القادة المتَّبعون): ربنا هؤلاء من أضلُّونا عن سبيلك (وزينوا لنا طاعة الشيطان)، فأذاقهم العذاب مضاعفا من النار، قال الله تعالى لكل (منكم ومنهم) عذاب مضاعف (للقادة باعتبار ضلالهم وإضلالهم وللاتباع فلكفرهم وتقليدهم)، ولكن تعلمون هوله (ولهذا تسألون لهم مضاعفة العذاب، وكل فريق منكم لا علم له به، قبل حلوله).
وفي الآية 39: وقال القادة للأتباع لا فضل لكم علينا في تخفيف العذاب فنحن متساوون في الضلال، فذوقوا عذاب جهنم بسبب إجرامكم (هذا القول الأخير، وكما في تفسير البحر المحيط، من كلام القادة للأتباع: قالوا على سبيل التشفي لأنهم دعوا عليهم بمضاعفة العذاب. وذهب بعض المفسرين ومنهم الطبري، أن هذا القول من كلام الله تعالى للفريقين على سبيل التوبيخ.
وفي الآية 40: إن الذين كذبوا بآياتنا (مع وضوحها) وتكبروا عنها (فلم يؤمنوا بها) لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم، الأمر الذي يؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير- واللفظ له- عن أبي هريرة : " الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: أخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب، أخرجي حميدة، وابشري برَوْحٍ وريحان، ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقولون: من هذا؟ فيقولون: فلان ، فيقال : مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروْح وريحان، ورب غير غضبان، فيقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل، وإذا كان الرجل السَّوْء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، أخرجي ذميمة، وابشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها الرسل إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، بأنه لم تفتح لك أبواب السماء، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر"، وقد قال ابن جريج في قوله تعالى " لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ" قال: لا تفتح لأعمالهم، ولا لأرواحهم، ومما يؤيد عدم فتح أبواب السماء لأعمالهم قول الله تعالى : " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ " (من الآية 10، فاطر) فإلى الله، وكما قال الطبري، يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه (وهو يعلمه: لا إلاه إلا الله ونحوها) والعمل الصالح يتقبله سبحانه وثبَّت صاحبه عليه (أو كما قال قتادة: لا يقبل الله قولا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه)، وإن أولائك المكذبين بآيات الله والمتكبرين عنها، أبواب السماء لا تفتح لهم إذن، والجنة، يوم القيامة لا يدخلونها حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة (وهذا تمثيل لاستحالة دخول الكفار الجنة)، وكذلك نجزي المجرمين بكفرهم (فهم أهل الإحرام والعصيان).
وفي الآية 41: ولهم من النار فراش (من تحتهم) ومن فوقهم أغطية من النار، وكذلك نجزي من ظلم (متعديا حدود الله)
وفي الآية 42: والذين صادقوا الله ورسوله (آمنوا) وعملوا بما أمرهم به (عمل الصالحات)، لا نكلف أحدا إلا بما هو في وسعه (وكما قيل في البحر المحيط: في هذا التنبيه أن ذلك العمل في وسعهم وأن الجنة مع عظم ما فيها يوصل إليها بالعمل السهل من غير مشقة)، أولائك المؤمنون والعاملون الصالحات هم الخالدون في الجنة.
وفي الآية 43: وطهرنا قلوبهم من حقد كان بينهم في الدنيا (حتى لا يكون بينهم إلا المحبة والتعاطف)، تجري من تحت قصورهم أنهار الجنة (زيادة في نعيمهم)، وعند الاستقرار في منازلهم قالوا الحمد لله الذي وفقنا لتحصيل هذا النعيم (أو الذي وفقنا للعمل الذي هو جزاؤه)، ولولا هداية الله ما كنا موفقين لنيل تلك السعادة، والله لقد صدَّقنا الرسل فيما أخبرونا به عن الله عز وجل، وتناديهم الملائكة أن هذه الجنة – وكما في تفسير القرطبي- ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله ، ومن الحديث الذي أخرجه مسلم: " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة "
وفي الآية 44: ونادى (تعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، والنداء تقريرا وتبكيتا) أهل الجنة أهل النار (بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار: أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا (على ألسنة رسله من النعيم والكرامة) فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا (من الخزي والهوان والعذاب)؟
وفي الآية 45: قال اهل النار مجيبين: نعم وجدناه حقا (قال الزمخشري في الكشاف: وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطا بحالهم، وشماتة بأهل النار، وزيادة في غمهم لمجرد الإخبار والاستخبار) فنادى مناد (أو أعلن معلن) بين الفريقين (أسمعهم) أن لعنة الله على كل ظالم من الذين كانوا في الدنيا يمنعون الناس عن أتباع دين الله، ويرغبون ان تكون السبيل معوجة، وهم بلقاء الله في الآخرة مكذبون.
وفي الآية 46: وبين أصحاب الجنة والنار حاجز (قيل هو سور الأعراف أو هو السور الوارد ذكره من سورة الحديد، من الآية 13: " فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ " وهذا سور ضرب بين المؤمنين والمنافقين (الكافرين) ليحجز بينهم، بين أصحاب الجنة وأصاحب النار، باطن بابه، من جهة المؤمنين، فيه الرحمة وفي ظاهره، من جهة المنافقين، عذاب النار، وقال ابن كثير: هو سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب)، وعلى الأعراف (أي السور أو كما قيل كذلك، أعاليه وشرفاته) رجال "استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث"، وبوجه عام يلاحظ العلماء أن من تمام عدل الله سبحانه أن أعطى كل إنسان ما يستحق، فمن ترجحت حسناته فهو من أهل الجنة، ومن ترجحت سيئاته عذب في النار إلى ما شاء الله، ومن كانت حسناته وسيئاته متساوية فهو من أهل الأعراف لكنها – أي الأعراف- ليست مستقرا دائما، وإنما المستقر: إما إلى الجنة، وإما إلى النار (هذا كما قال الشيخ محمد بن عثيمين، مثلا في " لقاءات الباب المفتوح" موضحا أن أهل الأعراف، ليسوا من أهل الجنة، ولا من أهل النار، بل هم في مكان برزخ عال مرتفع يرون النار ويرون الجنة، يبقون فيه ما شاء الله ، وفي النهاية يدخلون الجنة)، وعلى الأعراف أولائك القوم، كما في الآية 46، يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بعلامتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم، إذ موضعهم عال، ونادى أصحاب الأعراف أهل الجنة حين رأوهم أن سلام عليكم، وقال سبحانه ما مؤداه أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في دخولها (قال الحسن: لم يطعمهم إلا لكرامة يريدها بهم)، وروى الحاكم عن حذيفة: " بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال: قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم"
وفي الآية 47: وإذا نظر أهل الأعراف إلى أهل النار، قالوا ربنا لا تجعلنا في النار مع القوم الظالمين.
وفي الآية 48: ونادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار يعرفونهم بما يميزهم من علامات (رؤساء الكفرة والذين وجوههم مسودة) قالوا ما أغنى عنكم من النار مالُكُم (أو كثرتكم) واستكباركم عن الإيمان.
وفي الآية 49: وقالوا لهم مشيرين إلى ضعفاء المسلمين: أهؤلاء الذين كنتم في الدنيا (تسخرون منهم) وتحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة (برحمته). قيل للمؤمنين، المسلمين (أو كما في روح المعاني للألوسي، قال أصحاب الأعراف لأهل الجنة المشار إليهم): اخلدوا في الجنة غير خائفين ولا محزونين (على أكمل سرور وأتم كرامة كما في نفس المصدر للألوسي)
وفي الآية 50: إخبار الله تعالى عن المحاورة الخاصة بين أهل النار وأهل الجنة (بعد أن استقر بكل من الفريقين القرار واطمأنت به الدار) حيث استغاثة أهل النار بأهل الجنة وقد نزل بأهل النار البلاء العظيم من شدة العطش والجوع (والنداء، كما قال ابن عباس، في تفسير الطبري، هو للأخ والأب)، فيقال لأهل الجنة، أجيبوهم فيقولون: إن الله منع الماء والطعام على الكافرين (فلا شيء لهم من هذا ليسكِّنوا به حرارة النار)
وفي الآية 51: وصف الكافرين بأنهم جعلوا الدين سخرية ولعبا وخدعتهم الدنيا بزخارفها وشهواتها (فهي مع أهلها تغر وتضر وتخدع ثم تصرع)، فاليوم، كما في تفسير الألوسي، نتركهم في النار (العذاب) وننساهم مثل نسياهم لقاء هذا اليوم العظيم (الذي ينبغي ألا ينسى، فقد تركوا العمل لهذا اليوم، وكما كانوا منكرين لآيات الله في الدنيا، يكذبون بها ويستهزئون، ننساهم في العذاب.
وفي الآية 52: ولقد جئنا مشركي مكة (والكفار عامة) بكتاب هو القرآن العظيم، بيَّناه بالإخبار والوعد والوعيد (موضحين معانيه وأحكامه)، عالمين بما فُصِّل فيه (حتى جاء قيِّما غير ذي عوج)، هداية ورحمة لمن آمن به.
وفي الآية 53: ما ينتظرون إلا عاقبة ما فيه (بما وعدوا به من العذاب والنكال)، يوم القيامة (اي يوم تأتي عاقبته) يقول الذين تركوا الإيمان به والعمل به في الدنيا قد جاءتنا الرسل بالأخبار الصادقة (وتحقق لنا صدقهم فلم نؤمن بهم ولم نتَّبعهم)، فهل لنا اليوم شفيع يخلِّصنا من العذاب أو أن تكون لنا عودة إلى الدنيا فنعمل صالحا غير ما كنا نعمل من المعاصي وقبيح الأعمال (فنوحد الله، تاركين الشرك)؟ فيقال لهم: لا، فقد رد عليهم أن صاروا إلا الهلاك (خاسرين أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي في الآخرة)، وبطل عنهم ما كانوا يزعمون من شفاعة الأصنام ومن دعوى الشريك.


تعليقات