هذا القرآن ( 7 )
- أحمد صديق

- 10 أغسطس 2022
- 4 دقيقة قراءة
في حديث حول القرآن الكريم، رواه الترمذي، عن الحارث بن عبد الله قال : مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فقلت:
يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: و قد فعلوها، فقلت نعم ، قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنها ستكون فتنة ", فقلت : ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: " كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا : إنما سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم " .
ومن خلال ( تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي) للمباركفوري، المقصود بأحاديث الناس، في المسجد، أباطيل من الأخبار والحكايات والقصص، وهم تاركون تلاوة القرآن وما يقتضيه في الأذكار والآثار ، " وقد فعلوها " أي إرتكبوا هذه الشنيعة، أو كما قال القاري أي أتركوا القرآن وقد فعلوها؟ ، " ستكون فتنة " أي عظيمة، ويراد بالفتنة كما قال ابن الملك، ما وقع بين الصحابة أو خروج التتار أو الدجال أو دابة الأرض، " ونبأ ما قبلكم " : أحوال الأمم الماضية، " وخبر مابعدكم ": الأمور الآتية من أشراط الساعة وأحوال القيامة و " حكم ما بينكم " : ما يقع بينكم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والحلال والحرام وسائر شرائع الإسلام " وهو الفصل " : الفاصل بين الحق والباطل أو المميز فيه الخطأ والصواب، وما يترتب عليه الثواب والعقاب، " ليس بالهزل" أي جد كله، وحق جميعه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والهزل في الأصل القول المعرى عن المعنى المرضي، واشتقاقه من الهزل ضد السمن، والحديث مقتبس من قول الله تعالى :
" إِنَّهُۥ لَقَوْلٞ فَصْلٞ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِۖ (14) " ( الطارق ) ، " من تركه " أي القرآن إيمانا و عملا " من جبار " دلالة على أن الحامل على الترك إنما هو التجبر و الحماقة، " قصمه " : أهلكه أو كسر عنقه، وأصل القصم الكسر والإبانة، " ومن ابتغى الهدى" : طلب الهداية من الضلالة " في غيره " من الكتب والعلوم التي غير مأخوذة منه ولا موافقة معه " أضله الله" عن طريق الهدى " هو حبل الله المتين " أي الحكم القوي، والحبل مستعار للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء، أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه " وهو الذكر " أي ما يذكر به الحق تعالى، أو ما يتذكر به الخلق، أي يتعظ، " الحكيم " : ذو الحكمة، " هو الذي لا تزيغ به " أي: لا تميل عن الحق باتباعه " الأهواء " أي الهوى إذا وافق هذا الهدي حفظ من الردى، وقيل: معناه لا يصير به مبتدعا وضالا، يعني لا يميل بسببه أهل الأهواء والآراء.
و ( كما قال) الطيبي : كفعل(ممن) بالتوراة حرفوا الكلم عن مواضعه، لأنه تعالى تكفل بحفظه، قال الله تعالى : " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَ۬لذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَۖ " ( الآية 9 الحجر )، " ولا تلتبس به الألسنة " أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين ولو كانوا غير العرب، قال الله تعالى : " فَإِنَّمَا يَسَّرْنَٰهُ بِلِسَانِكَ " ( من الآية 97 مريم ) و" وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اَ۬لْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ " ( في آيات من سورة القمر، منها الآية 17 )، وقيل لا يختلط به غيره بحيث يشتبه الأمر، ويلتبس الحق بالباطل فإن الله تعالى يحفظه، أو يشتبه كلام الرب بكلام غيره، لكونه كلاما معصوما دالا على الإعجاز،" ولا يشبع منه العلماء " أي لايصلون إلى الإحاطة بكنهه حتى يقفوا عن طلبه وقوف من يشبع من مطعوم، بل كلما اطلعوا على شيء من حقائقه اشتاقوا إلى آخر أكثر من الأول، وهكذا فلا شبع ولا سآمة " ولا يخلق" من خلق الثوب إذا بلى " عن كثرة الرد " أي لا تزول لذة قراءته و طراوة تلاوته، واستماع أذكاره وأخباره من كثرة تكراره " ولا عجائبه " أي لا تنتهي غرائبه التي يتعجب منها، " هو الذي لم تنته الجن " أي لم يقفوا ولم يلبثوا " إذ سمعته " أي القرآن " حتى قالوا " أي لم يتوقفوا ولم يمكثوا وقت سماعهم له عنه بل أقبلوا عليه لما بهرهم من شأنه، فبادروا إلى الإيمان على سبيل البداهة لحصول العلم الضروري، وبالغوا في مدحه حتى قالوا : " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَاناً عَجَباٗ " ( من الآية 1 الجن ) أي شأنه من حيث جزالة المبنى، وغزارة المعنى " يَهْدِےٓ إِلَي اَ۬لرُّشْدِ " أي يدل على سبيل الصواب أو يهدي الله به الناس إلى طريق الحق " فَـَٔامَنَّا بِهِ " ( من الآية 2 نفس السورة ) أي أنه من عند الله ويلزم منه الإيمان برسول الله " من قال به" من أخبر به " صدق " أي في خبره، أو من قال قولا ملتبسا به، بأن يكون على قواعده، ووفق قوانينه وضوابطه صدق " ومن عمل به " أي بما دل عليه " أجر " أي أثيب في عمله أجرا عظيما وثوابا جسيما، لأنه لا يحث إلا على مكارم الأخلاق والأعمال ومحاسن الآداب " ومن حكم به " أي بين الناس " عدل " أي في حكمه لأنه لا يكون إلا بالحق " ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم " قيل في اللمعات روي مجهولا، أي من دعا الناس إلى القرآن وفق للهداية، وروي معروفا كأن المعنى من دعا الناس إليه هداهم.


تعليقات