هذا القرآن(5)
- أحمد صديق

- 26 يونيو 2022
- 4 دقيقة قراءة
في صحيح مسلم،عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال،سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إقرؤوا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه،إقرؤوا الزَّهراوَيْن البقرة وسورة آل عمران،فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان،أو كأنهما غيايتان،أو كأنهما فِرقان من طير صَوافَّ،تُحاجَّان عن أصحابهما،إقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بَرَكةٌ،وترْكَها حسرة،ولا تستطيعها البَطَلَة".وفي هذا الحديث،كما يقول جمهور المفسرين الاشارة على الخصوص إلى قراءة سورة البقرة و سورة آل عمران فإنهما يسميان (الزهراوان) - لغويا المشرقتان/النيِّرَتان/الصافيتان/اليانعتان- أي كما قيل،لزيادة نورهما وعظيم أجرهما،وكأنهما سحابتان أو ظِلاَّن يُظِلاَّن صاحبهما من حر يوم القيامة،أو يأتي ثواب قراءتهما على صورة جماعتين من طير واقفات في صفوف باسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض،تدافعان عن أصحابهما وتدفعان عنهم الجحيم.وفي المواظبة على قراءة سورة البقرة وتدبر معانيها والعمل بما فيها بركة ومنفعة عظيمة،وإهمال هذه السورة حسرة وندامة يوم القيامة،والسحرة لا قدرة لها أن تضر من يقرأها ولا توفق للإقبال عليها والاستفادة منها.
وكما تمت الإشارة بالمبحث قبله،في خواتم سورة البقرة
(وفي سورة الفاتحة) دعاء مستجاب بإذن الله.وسورة البقرة
كما من الحديث الذي ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة :" سنام القرآن سورة البقرة "،باعتبار كما يقال طولها والأهمية القصوى للعبر المستخلصة منها.
ومما في سورة البقرة آية الكرسي/آية الحفظ (أفضل أوأعظم آية وقد نزلت من تحت العرش،كما من أحاديث رواها مسلم والترمذي وغيرهما) :
" اَ۬للَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ اَ۬لْحَيُّ اُ۬لْقَيُّومُۖ لَا تَاخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوْمٞۖ لَّهُۥ مَا فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِے اِ۬لَارْضِۖ مَن ذَا اَ۬لذِے يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦۖ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَےْءٖ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۖ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اُ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَاۖ وَهُوَ اَ۬لْعَلِيُّ اُ۬لْعَظِيمُۖ (255)" ( ترقيم الآية كما في رواية حفص).
وفي التفسير للآية،كما يقول العلماء كمجاهد والسدي وغيرهما وذكَّر به القرطبي وغيره،لامعبود ولا مُدبِّر للأمور إلا هو ( وألوهيته تقترن بربوبيته،فإنه المالك وحده،المستغني عمَّن سواه، وكل شيء مُفتقِر إليه) الدائم البقاء، القائم على كل شيء (تدبيرا لشؤون الخلق بالحفظ والرعاية )،لا يأخذه نعاس ولانوم،ما في السماوات وما في الأرض خلقه وعبيده وملكه ( فالكل خاضع لسُلطانِه)،لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد عند الله تعالى إلا بإذنه،وعِلمُه يشمل أمور الدنيا،هي ما بين أيدي خلقه، والآخرة وهي ما خلفهم بمعنى ما يأتي استقبالا.
ولا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه (هذا كذلك حسب القرطبي)،وعلم الشيء من معلومات الله تعالى ( كما في تفسير الجلالين )،لا يكون إلاَّ بما شاء الله بِإِخْبار الرسل (هذا بالإضافة،كما يقول العلماء، إلى الرؤيا الصادقة)، وسع كرسيه ( أي كما قيل في التفاسير،عرشه أو علمه أو قدرته ) السماوات والأرض، ولا يثقله حفظهما،وهو العلي فوق خلقه و العظمة كلها له.
وفي السنة ما يؤكد أن من خاصيات آية الكرسي أنها بالفعل آية الحفظ (مع التذكير كما يلاحظ العلماء أن التفضيل للآيات أو السور يَهُمُّ معانيها وخاصياتها،لا صفاتها،فالقرآن كله كلام الله).
ومن ذلك عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله ( وتفسير الكلمات بين قوسين من" غاية المأمول للشيخ منصور علي ناصف" )،أنه كانت له سهوة (حفرة للتخزين أو موقع لوضع الأشياء) فيها تمرفكانت تجيء الغول (نوع من الجن و الشياطين، جمع غيلان) فتأخذ، فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إذهب فإذا رأيتها فقل باسم الله أجيبي رسول الله "، فأخذها فحلفت ألا تعود فأرسلها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما فعل أسيرك؟ " قال: حلفت ألا تعود، قال:" كذبت وهي معاودة للكذب" (أي هي كاذبة وستعود) قال: فأخذها مرة أخرى فحلفت ألا تعود فأرسلها ،فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال:" ما فعل أسيرك؟ " قال حلفت ألا تعود فقال : " كذبت وهي معاودة للكذب" فأخذها فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني ذاكرة لك شيئا،آية الكرسي، إقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما فعل أسيرك؟ " فأخبره بما قالت قال:" صدقت وهي كذوب" ( رواه البخاري والترمذي).
و مِمّا في سورة آل عمران- السورة الزهراء الأخرى، شأنها في هذا شأن سورة البقرة وكما سلفت الإشارة- ما يُعتَبر و بمنطوق القرآن الكريم أكبر شهادة ( الآية 18) :
" شَهِدَ اَ۬للَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ اُ۬لْعِلْمِ قَآئِماَۢ بِالْقِسْطِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ " . وهكذا -كما في التفاسير-الله تعالى أعلم عباده بانفراده بالوحدانية،وبين لهم ذلك بالدلائل والآيات،وشهد بذلك الملائكة بالإقرار وأهل العلم ( المراد بهم الأنبياء كما قال القرطبي،مذكرا بقول ابن كيسان أنهم المهاجرون والأنصار،وقول مقاتل أنهم مؤمنوا أهل الكتاب،وقول السعدي و الكلبي أنهم المؤمنون كلهم، وهو الأظهر لأنه عام )،أنه يلي العدل بين خلقه ( هذا قول أبي جعفر،في تفسير الطبري، أو قيامه بالعدل كما في التفسير الميسر لنخبة من العلماء/المدينة أو أنه قائم بتدبير خلقه، متفردا بالعدل كما في تفسير الجلالين) لا معبود بحق إلا هو،العزيز في ملكه الحكيم في صنعه.
وفي أسباب النزول للواحدي، قال الكلبي: لما ظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قدم عليه حَبْران من أحبار الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له أنت محمد؟ قال: " نعم" قالا إن نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدَّقناك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلاني"، فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى على نبيه (الآية 18 آل عمران) فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجدير بالتأكيد أن هاته الآية هي فعلا أعظم شهادة في كتاب الله وذلك باعتبار أمره سبحانه في القرآن الكريم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لِلْمُشركين المكذبين الجاحدين لِنُبوَّته، من قومه (وغيرهم): أي شيء أعظم شهادة وأكبر؟ وأن يخبرهم أن أكبرالأشياء شهادة "الله" الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في شهادة غيره من خلقه، من سَهْوٍ وخطإ و غلط و كذب. فهذا هو المعنى العام، لدى الطبري غيره،لما هو من الآية 20 الأنعام: '' قُلَ اَيُّ شَےْءٍ اَكْبَرُ شَهَٰدَةٗ قُلِ اِ۬للَّهُۖ ''.


تعليقات