هذا القرآن (4)
- أحمد صديق

- 18 يونيو 2022
- 3 دقيقة قراءة
بعد التذكير باعتبارالفاتحة أعظم السور وأُمَّ القرآن والسَّبْع المثاني وقد استُثنِيت لهذه الأمة (كما هو مبين في المحور قبله) وبآياتها السبع:
"اِ۬لْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ اِ۬لْعَٰلَمِينَ (1)اَ۬لرَّحْمَٰنِاِ۬لرَّحِيمِ(2) مَلِكِ يَوْمِ اِ۬لدِّينِۖ (3)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُۖ (4) اُ۪هْدِنَا اَ۬لصِّرَٰطَ اَ۬لْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَٰطَ اَ۬لذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ اِ۬لْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَ۬لضَّآلِّينَۖ (7)" ،
تجدرالإشارة إلى فضائل أخرى لهاته السورة.
فمن الأحاديث الصحيحة الأخرى في فضل وخاصيات الفاتحة حققها الألباني: عن إبن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال:"هذا باب من السماء فُتح اليوم، لم يُفتَح قَطُّ إلا اليوم"، فنزل منه ملك، فقال:"هذا ملك نزل إلى الأرض،لم ينزل قط إلا اليوم" فسلَّم وقال:"أبشر بنورين أُوتيتَهُما،لم يُؤتَهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"( رواه مسلم والنسائي).
وكما يقول المفسرون،" نقيضا" معناه صوتا كصوت الباب إذا فُتِح،"وحرف منهما"معناه مما فيه من الدعاء" إلا أعطيته"،أي أعطيت مقتضاه.
وللتذكير،خواتم سورة البقرة :"اٰمَنَ اَ۬لرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَالْمُومِنُونَۖ كُلٌّ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦۖ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۖ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَ۬لْمَصِيرُۖ (284) لَا يُكَلِّفُ اُ۬للَّهُ نَفْساً اِلَّا وُسْعَهَاۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَ۪كْتَسَبَتْۖ رَبَّنَا لَا تُوَ۬اخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوَ اَخْطَأْنَاۖ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراٗ كَمَاحَمَلْتَهُ،عَلَي اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِنَاۖ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآۖ أَنتَ مَوْل۪يٰنَا فَانصُرْنَا عَلَي اَ۬لْقَوْمِ اِ۬لْكٰ۪فِرِينَۖ (285) ".
وروى البخاري ومسلم (واللفظ لمسلم)، عن أبي سعيد الخدري قال: نزلنا منزلا فأتتنا إمرأة فقالت إن سيد الحي سليم لدغ، فهل فيكم من راق، فقام معها رجل منا ما كنا نظنه يحسن رقية،فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ،فأعطوه غنما وسقونا لبنا،فقلنا: أكنت تحسن رقية،فقال ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال فقلت لا تحرِّكوها حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : "ما كان يدريك أنها رقية، أقسموا واضربوا لي بسهم معكم ".
-( قوله : سيد الحي سليم،لدغ قيل: سمي بذلك تفاؤلا بالسلام، وقيل: لأنه مستسلم لما به) - وقال النووي: فيه التصريح بأنها رُقْيَة، فيُستَحبُّ أن يُقرَأ بها على اللَّديغِ والمريض وسائر أصحاب الأسقام والعاهات، وفي الحديث تصريح بجواز أخذالأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر،وأنها حلال لاكراهية فيها،والقسمة في الحديث من باب المروءات ومواساة الرفاق، والضرب له صلى الله عليه وسلم بسهم قاله تطييبا لقلوبهم ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه.
وعن أبي هريرة قال،سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل،فإذا قال العبدالحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله تعالى:
أثْنى عليَّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين،قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة : فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال إياك نعبد واياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ماسأل، فإذا قال إهدنا الصراط المستقيم،صراط الذين أنعمت عليهم،غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". وفي رواية : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي" .( رواه مسلم و أصحاب السُّنَن الأربعة وغيرهم).
وهناك أقوال أخرى للعلماء حول فاتحة الكتاب، ومن ذلك قول شيخ الإسلام إبن تيمية( بفتاويه وفي نطاق التفسير) ، جاء مأثورا عن الحسن البصري- رواه إبن ماجة وغيره- أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كُتُب، جمع علما في الأربعة وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصّل, وجعل علم المفصل في هاتين الكلمتين الجامعتين :
" إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُۖ "، وإن علم الكتب المنزلة من السماء،إجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين، ولهذا ثبتت في الحديث الصحيح،المذكور قبله (قسمة الصلاة نصفين)، ويضيف شيخ الإسلام إبن تيمية وفي نفس المصدر: وثبت بهذا النص أن هاته السورة (أي الفاتحة), مُنقسِمة بين الله وعبده، وأن هاتين الكلمتين مقسم السورة : ف" إياك نعبد" مع قبله لله و"إياك نستعين" مع ما بعده للعبد وله ما سأل. ولهذا قال من قال من السلف، نصفها ثناء ونصفها مسألة، وكل واحدة من العبادة والإستعانة دعاء ( إنتهى قول إبن تيمية ).
ويلاحظ جمهور العلماء أن المفصَّل لفظ يطلق على السور بدءا من سورة (ق) إلى آخرالمصحف، وقيل أن أوله سورة الحجرات وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل كذلك لقلة المنسوخ فيه، ولهذا يسمى المحكم أيضا، وآياته قصار ووسط وطوال.
وإبن قيم الجوزية قال في كتابه ( مدارج السالكين، بين منازل"إياك نعبد وإياك نستعين "): الحمد في (الفاتحة) يتضمن أمورا ثلاثة،فهو( أي الله تعالى) المحمود في ألوهيته وربوبيته ورحمته،كما قال-إبن قيم الجوزية- وجميع الرسل إنما دعوا إلى"إياك نعبد واياك نستعين"،فإنهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته.


تعليقات