نوح عليه السلام ، شيخ المرسلين (يتبع)
- أحمد صديق

- 29 يوليو 2021
- 10 دقيقة قراءة
نوح عليه السلام لُقّبَ بشيخ المرسلين لأنه، وكما يقول جمهور العلماء، أول رسول بعد آدم عليه السلام أخبر الله تعالى به، داعيا إلى التوحيد ومبلغا الشريعة، أهلك الله تعالى كل من عصاه، وعمَّر طويلا. وهكذا، في سورة الأعراف: " لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩ قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠ قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢ أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ ٦١ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ٦٣ فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤" أي ومما في تفسير الفخر الرازي، في الآية 59، الله تعالى، كما قال ابن عباس، بعث نوحا، وحمَّله، كما قال آخرون، رسالة يؤديها، وحكى الله تعالى أن نوحا أمر قومه بعبادة الله تعالى وأمر أن لا إله إلا الله. والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد. هذا، بالإضافة إلى أن نوحا خوَّف قومه بيوم القيامة أو عذاب يوم الطوفان. و" ٱلۡمَلَأُ" في الآية 60 هم، كما قال المفسرون، الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء، وقوله "إِنَّا لَنَرَىٰكَ" هذه الرؤية بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية، وقوله "فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ" أي في خطأ ظاهر وضلال بيِّن، ومرادهم نسبة نوح إلى الضلال في مسائل التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد. وفي الآية 61، نفي نوح عن نفسه الغيب الذي وصفوه به، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وهو كونه رسولا إلى الخلق من رب العالمين. والمقصود من الرسالة وكما في الآية 62 تبليغها وتقرير النصيحة، ومعنى تبليغ الرسالة أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة فهو أنه يرغبهم في الطاعة ويحذرهم عن المعصية، وقوله "رِسَٰلَٰتِ رَبِّي" يدل أنه تعالى حمَّله أنواعا كثيرة من الرسالات، وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا، وقوله "وَأَنصَحُ لَكُمۡ" فيه حقيقة النصح أي الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى: اني أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني وأحب إليكم ما أحبه لنفسي، ثم قال: "وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ"وفيه وجوه: أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وأعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابا شديدا خارجا عما تتصوره عقولكم. ويجوز أن يكون المراد، كما يقول الفخر الرازي كذلك : أعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم. وفي الآية 63 استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه، والمراد من قوله: "لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ" تبليغكم منه تلك التكاليف لأجل أن ينذركم ويحذّركم، ومتى أنذركم اتَّقيتم مخالفة تكليف الله، ومتى اتقيتم مخالفة تكليف الله استوجبتم رحمة الله. وفي الآية 64 بيَّن الله تعالى أنهم كذبوه في إدعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار المكذبين، وبيَّن العلة في ذلك فقال: "إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ". قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد.
وفي سورة المؤمنون: " وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧ فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨ وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠ " أي ومن خلال تفسير الألوسي: ولقد أرسل الله تعالى نوحا إلى قوم مخصوصين (فالأصح أنه عليه السلام لم تكن رسالته عامة) "فَقَالَ" متعطفا عليهم ومستميلا لهم إلى الحق "يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ"عذابه تعالى الذي يستوجب ما أنتم عليه من ترك عبادته سبحانه وحده،"فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ" أي الاشراف"ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ" وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه، وليس المراد بذلك إلا ذمَّهم دون التمييز عن إشراف آخرين آمنوا به عليه السلام إذ لم يومن به أحد من أشرافهم كما يفصح عنه قول: "مَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا" (من الآية 27 هود)، أو قول: "قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ"( الآية 111 الشعراء)، وقال الخفاجي: يصح أن يكون الوصف بذلك للتمييز وإن لم يؤمن بعض أشرافهم وقت التكلم بهذا الكلام لأن من أهله عليه السلام المتبعين له أشرافا، وأما قول "مَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا"فعلى زعمهم أو لقلة المتبعين له من الأشراف، وأيا ما كان فالمعنى: فقال الملأ لعوامهم "مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ" أي في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه، وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية وحطّها عن منصب النبوة، ووصفوه بقوله سبحانه "يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ" إغضابا للمخاطبين وإغراء لهم على معاداته، والتفضل طلب الفضل وهو كناية عن السيادة كأنه قيل: يريد أن يسودكم ويتقدمكم بإدعاء الرسالة مع كونه مثلكم، وقيل: صيغة التفعل مستعارة للكمال فإنه ما يتكلف له أن يكون على أكمل وجه فكأنه قيل: يريد كمال الفضل عليكم "وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ" بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته عليه السلام، أي ولو شاء الله تعالى إرسال الرسول لأرسل رسلا من الملائكة، وإنما قيل "لَأَنزَلَ" لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال. و" مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ"، فيه إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة الله عز وجل، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام في آبائنا الماضين قبل بعثته عليه السلام، ثم إن قولهم هذا لفرط غلوهم في التكذيب والعناد وانهماكهم في الغي والفساد. وقيل: (هذا) إشارة إلى نوح عليه السلام على معنى ما سمعنا بخبر نبوته. وقيل: إلى اسمه وهو لفظ نوح، والمعنى لو كان نبيا لكان له ذكر في آبائنا الأولين، وعلى هذين القولين يكون قولهم المذكور من متأخري قومه المولودين بعد بعثته بمدة طويلة فيكون المراد من آبائهم الأولين من مضى قبلهم في زمنه عليه السلام، وصدور ذلك عنهم في أواخر أمره عليه السلام " إِنۡ هُوَ "أي ما هو "إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ" أي جنون أو جن يخبلونه ولذلك يقول ما يقول "فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ" فاحتملوه واصبروا عليه وانتظروا "حَتَّىٰ حِينٖ" لعله يفيق مما هو فيه محمولا على ترامي أحوالهم في المكابرة والعناد وإضرابهم عما وصفوه عليه السلام به من البشرية وإرادة التفضل إلى وصفه بما ترى وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح الناس عقلا وأرزنهم قولا، وهو على ما تقدم محمول على تناقض مقالاتهم الفاسدة قاتلهم الله تعالى أنى يوفكون " قَالَ" - لما رآهم قد أصروا على ما هم فيه وتمادوا على الضلال حتى يئس من إيمانهم بالكلية وقد أوحي له "أَنَّهُ ۥلَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ" (من الآية 36 هود) - " رَبِّ ٱنصُرۡنِي " بإهلاكهم بالمرة – بناء على أنه حكاية إجمالية لقوله عليه السلام "رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا" (الآية 26 نوح) – "بِمَا كَذَّبُونِ" أي بسبب تكذيبهم إياي وانصرني بالذي كذبوني به – وهو العذاب الذي وعدتهم إياه ضمن قولي: "إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ" (من الآية 59 الأعراف) وحاصله انصرني بإنجاز ذلك – "فَأوْحَيْنَا إليْه" عقيب ذلك، وقيل بسبب ذلك "أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا" ملتبسا بمزيد حفظنا ورعايتنا لك من التعدي أو من الزيغ في الصنع "وَوَحْينَا" وأمرنا وتعليمنا لكيفية صنعها "فإذَا جَاءَ أَمْرُنا" أي الأمر بالعذاب كما في قوله:"لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ"(من الآية 43 هود) "وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ"بيان وتفسير لمجيء الأمر، ومما قيل: التنور وجه الأرض، وفار التنور مثل كحمي الوطيس – ومما في تفسير البغوي: قول أكثر المفسرين، ومنهم الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه. ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن: كان تنورا من حجارة، كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام، فقيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك - " فَٱسۡلُكۡ فِيهَا "أي ادخل فيها "مِن كُلّٖ" أي من كل أمة "زَوۡجَيۡنِ" أي اسلك من أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين، كجمل وناقة وحصان ورمكة. وروي أنه عليه السلام لم يحمل في الفلك من ذلك إلا ما يلد ويبيض، وأما ما يتولد من العفونات كالبق والذباب والدود فلم يحمل شيئا منه "وَأَهۡلَكَ" قيل عطف على "ٱثۡنَيۡنِ" على قراءة الإضافة وعلى "زَوۡجَيۡنِ" على قراءة التنوين ولا يخفى اختلال المعنى عليه فهو منصوب بفعل معطوف على "فَٱسۡلُكۡ" أي واسلك أهلك، والمراد بهم أمة الإجابة الذين آمنوا به عليه السلام سواء كانوا من ذوي قرابة أم لا، وجاء إطلاق الأهل على ذلك "إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ " والمراد بالقول القول بالإهلاك، والمراد بسبق ذلك تحققه في الأزل أو كناية ما يدل عليه في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق الدنيا " وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ " أي لا تكلمني فيهم بشفاعة وإنجاء لهم من الغرق ونحوه "إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ" أي أنهم مقضي عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك وسائر المعاصي " فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ" من أهلك وأتباعك "عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ" والحمد هنا على الإنجاء منهم وهو متضمن للحمد على إهلاكهم، ولم يقل فقل الحمد لله الذي أهلك القوم الظالمين، وفي ذلك كما قال الخفاجي إشارة إلى أنه لا ينبغي المسرة بمصيبة أحد ولو عدوا من حيث كونها مصيبة له بل لما تضمنته من السلامة من ضرره أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله " وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي" في الفلك " مُنزَلٗا" أي إنزالا أو موضع إنزال "مُّبَارَكٗا" يتسبب لمزيد من الخير في الدارين"وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ" والدعاء إذا كان بعد الدخول فالمراد إدامة ذلك الانزال، ولعل المقصود إدامة البركة، وجوزأن يكون دعاء بالتوفيق للنزول في أبرك منازلها لأنها واسعة. وإن كان قبل الدخول فالأمر واضح. وروى جماعة عن مجاهد أن هذا دعاء أمر نوح عليه السلام أن يقوله عند النزول من السفينة. فالمعنى رب أنزلني منها في الارض الخ، وأخذ منه قتادة ندب أن يقول راكب السفينة عند النزول منها "رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ" وأعاد "قُل" لتعدد الدعاء، والأول متضمن دفع مضرة ولذا قدم، وهذا لجلب منفعة. وأمره عليه السلام أن يشفع دعاءه ما يطابقه من ثنائه عز وجل توسلا به إلى الإجابة فإن الثناء على المحسن يكون مستدعيا لإحسانه. وقد قالوا: الثناء على الكريم يغني عن سؤاله " إِنَّ فِي ذَٰلِكَ"الذي ذكر بما فعل به عليه السلام وبقومه" لَأٓيَٰتٖ" جليلة يستدل بها أولوا الأبصار ويعتبر ذوو الاعتبار "وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ" أي وإن الشأن كنا مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد أو مختبرين بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويتذكر، والمراد معاملين معاملة المختبر، وهذا كقوله تعالى: "وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ " (الآية 15 القمر). وإبرازا لكون نوح عليه السلام هو شيخ المرسلين وعلى أساس أولا، أنه عمَّر طويلا، وقد أهلك الله تعالى كل من عصاه (وصدق فيه كما صدق في كافة الرسل عليهم السلام، قول الله عز وجل: "كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓ" من الآية 21 المجادلة): "وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ١٥"( العنكبوت)، وكما في تفسير بن جزي: " فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا " الظاهر أنه لبث هذه المدة بعد بعثته ويحتمل أن يكون ذلك من أول ولادته، وروي أنه بعث وهو ابن أربعين سنة، وأنه عمَّر بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، "وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ" يحتمل أن يعود الضمير على السفينة، أو على النجاة، أو على القصة بكمالها.
وثانيا، نوح عليه السلام هو شيخ المرسلين وباعتبار أنه – من حيث السيرورة التاريخية- كما سبقت الاشارة إلى ذلك أول مبعوث بعد آدم عليه السلام، أخبر الله تعالى به داعيا إلى التوحيد ومبلِّغا لشريعة الله تعالى: " شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ " (من الآية 13 الشورى)، أي وكما في تفسير ابن كثير: يقول الله تعالى لهذه الأمة " شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ" فذكر أول الرسل بعد آدم وهو نوح عليه السلام، وآخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر من بين ذلك أولي العزم – الآخَرين - وهم: إبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم السلام. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة - كما اشتملت الآية 7 الأحزاب عليهم "وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا" أي، كما في نفس التفسير لابن كثير: يقول الله تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق. وهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام - ويستأنف ابن كثير تفسيره للآية 13 الشورى قائلا: والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو: عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال في الآية 25 الأنبياء " وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ". وفي الحديث:"نحن معشر الأنبياء أولاد علاَّت ديننا واحد" أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وان اختلفت شرائعهم ومناهجهم، كقوله تعالى في الآية 48 المائدة: "لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ"، ولهذا قال ها هنا "أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ " أي وصَّى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء عليهم السلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. وفي ذلك الحديث الذي أورده ابن كثير - وقد روي عن أبي هريرة وصحَّحه الألباني – أولاد علاَّت وكما يقول جمهور العلماء، معناه إخوة من أب واحد وأمهات شتى أي ضرات: والأنبياء أخوتهم في النبوة، و آدم أبوهم في النبوة، بعثوا متفقين في أصول التوحيد، متباينين في أصول الشرع، وهذا التباين قد يكون مشارا إليه بتعدد الأمهات. ويقول العلماء كذلك أراد أن الأنبياء يختلفون في أزمانهم وقد جمعتهم النبوة، فكأنهم أولاد علات لم يجمعهم زمن واحد، كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد. وفي ما من الآية 48 المائدة: "لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ" معناه، كما قال ابن عباس والحسن ومجاهد (وهذا مما في تفسير البغوي): سبيلا وسنة، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح. وهذا نوح عليه السلام وكما بين الله تعالى، يعلن: "وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ" (من الآية 72 يونس).
وفي ما صحَّحه الألباني وأخرج صيغه البخاري والحاكم والبزار وأبو داود وأحمد (واللفظ له) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن نبي الله نوحا صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية: آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع، والأَرْضِينَ السبع، لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأَرْضِينَ السبع، كن حَلْقة مُبهمة، قَصَمَتْهُنَّ لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يُرزق الخَلق، وأنهاك عن الشرك والكِبر" قال: قلت أو قيل يا رسول الله: هذا الشرك قد عرفناه، فما الكِبر؟ قال: الكِبر أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شِراكان حسنان قال: "لا" قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال "لا" قال: الكبر هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: "لا" قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: "لا" قيل: يا رسول الله، فما الكِبر؟ قال: سَفَهُ الحق، وغَمْصُ الناس". وتفسيرا لهذا الحديث، يلاحظ العلماء: ابن نوح عليه السلام الوارد هنا ذكره بالطبع ولد رزقه الله إياه بعد الطوفان، فهو غير الولد الذي قال الله تعالى عنه: "فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ" ( من الآية 43 هود) و "يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ" (من الآية 46 من هود)، وذلك في إطارها العام: الآيتان 25 إلى 48 المبينة مباشرة بعده، دلالاتها. وكما يلاحظ العلماء،معنى حلقة مبهمة: غير معلومة المدخل والطرف، وقَصَمَتْهُنَّ: قَطَّعَتْهُنَّ وكسَّرَتْهُنَّ، والقَصْمُ كما قال ابن الأثير: كسر الشيء وإبانته، والفصم (بالفاء): كسره من غير إبانة. وسَفَهُ الحَقِّ: هو أن يرى الحق سفها باطلا، فلا يقبله، ويتعض عنه، قاله السدي. وقال ابن الأثير: المعنى الاستخفاف بالحق، وألا يراه على ما هو عليه من الرجحان والرزانة. و"غَمْصُ الناس": احتقارهم وألا يراهم شيئا


تعليقات