top of page

نوح عليه السلام ، شيخ المرسلين (تتمة)

  • صورة الكاتب: أحمد صديق
    أحمد صديق
  • 9 أغسطس 2021
  • 9 دقيقة قراءة

وفي القرآن الكريم آيات أخرى تحيل على قصة نوح عليه السلام، مزيدا في التذكير والاتعاض. ومن هاته الآيات ما هو مضمون السورة التي تحمل اسمه عليه السلام، سورة نوح (وموجز معانيها مما ورد في تفسير ابن كثير). وفي الآية 1: "إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِنقَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ" أي قوله تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أرسله إلى قومه آمرا لهم أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم، ولهذا قال: "أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِنقَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ". وفي الآية 2:"قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ" أي عذاببيِّن النَّذارة، ظاهرُ الأمر واضحُه. وفي الآية 3: " أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ" أي اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه "وَأَطِيعُونِ" فيماآمركم وأنهاكمعنه. وفي الآية 4: "يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ" أيإذا فعلتمما أمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم ويمدُّ في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه أوقعه بكم، وقوله: "إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ" أي بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر الله تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات. وفي الآية 5: "قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا"، في هذه الآية – وما بعدها- يخبر الله تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام أنه اشتكى إلى ربه عز وجل، ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما، وما بيَّن لقومه ووضَّح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم فقال (كما في هاته الآية 5) ما معناه: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار، امتثالا لأمركم وابتغاء لطاعتك. وفي الآية 6: "فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا" أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه. وفي الآية 7: "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا" أيسدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، كما أخبر الله تعالى عن كفار قريش في الآية 26 فصلت: "وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِلَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ"، "وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ" قالابن جريج، عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول – أو كما في تفسير البغوي: غطوا بثيابهم وجوههم لأي يروني - "وَأَصَرُّواْ" أياستمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع، "وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا" أي واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له. وفي الآية 8: "ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا" أي جهرة بين الناس. وفي الآية 9: "ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا"، "ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ"أي كلاما ظاهرا بصوت عال، "وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا" أي فيما بيني وبينهم، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم. وفي الآية 10: "فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا" أي ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك. وفي الآية 11: "يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا" أي متواصلةالأمطار، ولهذا – يضيف ابن كثير في تفسيره – تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هاته الآية. وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنه صعد المنبر ليستقي، فلم يزد على الاستغفار، وقرأ الآيات في الاستغفار، ومنها: "فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا"(الآية 10) "يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا"(الآية 11) ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي ستنزل بها الأمطار (المجاديح، مفردها المجداح: ما يساط، أي يضرب به الشراب). وقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضا. وفي الآية 12: "وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا" أي إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدَرَّ لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها. هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال ما في الآية 13: "مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا" أي: عظمة، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك. وقال ابن عباس (كذلك وبصيغة أخرى): لا تعظمون الله حق عظمته، أي لا تخافون من بأسه ونقمته. وفي الآية 14: "وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا"، قيل: معناه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد. وفي الآية 15: "أَلَمۡتَرَوۡاْكَيۡفَخَلَقَٱللَّهُسَبۡعَسَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا" أي: واحدة فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هي من الأمور المدركة بالحس، مما علم من التسيير والكسوفات، فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا، فأدناها القمر في السماء الدنيا وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وأما بقية الكواكب – وهي الثوابث- فهي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون: هو الكرسي، والفلك التاسع، وهو الأطلس. والاثير عندهم الذي حركته على خلاف سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات، وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الافلاك عكسه من المشرق إلى المغرب، ومعها يدور سائر الكواكب تبعا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها، فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحس اتساع أفلاكها وإن كانت حركات الجمع في السرعة متناسبة. هذا - كما يستأنف ابن كثير قوله في تفسيره – ملخص ما يقولونه في هذا المقام، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها. (ومن جهة أخرى – من منظور أقوال العلماء، راهنا أو بوجه عام، في العصور الحديثة - في القرآن الكريم الرقم 1 والرقم 7 مكرران عدة مرات. والواحد الأحد هو الله تعالى. وقيل إن "السبع" قد تدل في الواقع على صيغة الجمع. ومن العلماء المجتهدين في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة -ومنهم عبد الدائم الكحيل والنابلسي وغيرهما- من يلاحظ أن هناك سبع طبقات إلكترونية في كل ذرة من ذرات الكون، والله تبارك وتعالى هو الذي اختار للذرة رقم 7 وهو سبحانه الذي اختار للسماوات الرقم 7. وإن ذكر السموات السبع تكرر في القرآن سبع مرات في الآيات: 29 البقرة و 44 الإسراء و 86 المؤمنون و 12 فصلت و 12 الطلاق و 3 الملك و15 نوح. وطبقات الغلاف الجوي يختلف عددها لدى العلماء، ومنهم من يصنفها في سبع، منها الطبقة السفلى حيث تعيش الأحياء، وطبقات الأوزون، الغلاف الذي يحمي من الأشعة فوق البنفسجية القتالة، والطبقة العليا حيث الانعدام المطلق للأوكسجين والهواء).وفي الآية 16: "وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا" أي فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كل منهما أنموذجا على حدة، ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر القمر منازل وبروجا، وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر، فيدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال في الآية 5 يونس: "هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗوَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ

لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ".وفي الآية 17: "وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا" هذا اسم مصدر والإتيان به ها هنا أحسن. وفي الآية 18: "ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا" أي إذا متم، "وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا"أي يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أو مرة. وفي الآية 19: "وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا"أي بسطها ومهدها وقررها وتبثها بالجبال الراسيات، الشم الشامخات. وفي الآية 20: "لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا"أي خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم، من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق، جعل السماء بناء والأرض مهادا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحَّد ولا يشرك به أحد، لأنه لا نظير له ولا عديل له، ولا ند ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير. وفي الآية 21: "قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا"، وهكذا يقول الله تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى: أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام، ولهذا قال:"وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا". وفي الآية 22: "وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا" قال مجاهد"كُبَّارٗا" أيعظيما، وقال ابن زيد"كُبَّارٗا" أي كبيرا. والعرب تقول: أمر عجيب وعُجاب بالتخفيف والتشديد، بمعنى واحد. والمعنى في قوله: "وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا" أي باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم علىالحق والهدى. كما يقولون لهم يوم القيامة (الآية 33 سبأ):"وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡتَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ۖ" ولهذا قال ها هنا: "وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا".وفي الآية 23:"وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

وَنَسۡرٗا"، وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقال البخاري عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غُطَيف بالجُرُف عند سبأ، أما يعوق فكانت لهَمْدان، وأما نسر فكانت لحِمير لآل ذي كَلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولائك وتنسخ العلم عُبدت (أخرجه البخاري). وعن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح. وعن محمد بن قيس :" يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا "، قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقطون المطر، فعبدوهم. وعن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم عليه السلام أربعون ولدا، عشرون غلاما وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم: هابيل، وقابيل، وصالح، وعبد الرحمن – والذي كان سماه عبد الحارث- ووَدَّ، وكان وَدَّ يقال له "شيث"، ويقال له: "هبة الله"، وكان إخوته قد سَوَّدُوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر، وعن عبد الله ابن مسلم بن هُرمز، عن أبي حُزْرَة، عن عروة بن الزبير قال: اشتكى آدم عليه السلام، وعنده بنوه: ود، يغوث ويعوق، وسواع، ونسر. قال وكان ودَّ أكبرهم وأبرَّهم به. وعن أبي المطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر –وهو قائم يصلي- يزيد بن المهلب.، قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب، أما إنه قتل في أول أرض عُبِد فيها غير الله. قال: ثم ذكر ودّا، قال: وكان وَدّ رجلا مسلما وكان محببا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا إليه، فلما رأي إبليس جَزَعهم عليه، تشبه في صورة إنسان، ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله. قال: وضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله: فيكون له في بيته فتذكرونه.؟ قالوا: نعم. قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال: وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلاها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد من غير الله: الصنم الذي سموه ودّا. ( الآية 24) "وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا"،وقوله "وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ" يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم. وقد قال الخليل عليه السلام في دعائه: "وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ". (ختام الآية 35 إبراهيم) "رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ" (مطلع الآية بعدها: 36 إبراهيم). وقوله: "وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا" دعاء منه (نوح) على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون، ومثله في قوله: "رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ" (من الآية 88 يونس). وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به. وفي الآية 25:"مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا"،قوله تعالى:"مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ" أي من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصراراهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم "أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا"أي نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار"فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا" أي لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله، كقوله (من الآية 43 هود):"قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ".وفيالآية 26:"وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا"أي لا تترك على وجه الأرض منهم أحدا. قال الضحاك: "دَيَّارًا " واحدا، وقال السدي: الديار الذي يسكن الدار. فاستجاب الله له، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه. كما دلت على ذلك الآية 43 من سورة هود: "قَالَسَ‍َٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ"، ونجَّى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح عليه السلام الذين أمره الله بحملهم معه. وفي الآية 27: "إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا" وقوله:"إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ" أي إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذين تخلقهم بعدهم، "وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا" أي:فاجرا في الاعمال كافر القلب، وذلك لخبرته ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما. ثم قال، الآية 28: "رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيمُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا"، قوله: "رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا".قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن. ولدى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي الحديث:"لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ"،وقوله: "وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ" دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات. وقوله: "وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا"،قال السدي: إلا هلاكا. وقال مجاهد: إلا خسارا، أي في الدنيا والآخرة.

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الغني Celui qui se passe de toute chose

( تالع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 88 ) الغني هذا الإسم ورد...

 
 
 
الجامع Le Rassembleur

( تابع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 87 ) الجامع والله سبحانه هو...

 
 
 
L’ Equitable

( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 86 ) L’Equitable Allah « L’Equitable «  signifie selon les Erudits...

 
 
 

تعليقات


ME SUIVRE

  • Facebook Social Icône

© 2020 par ahmed Sadik

bottom of page