نوح عليه السلام ، شيخ المرسلين(تابع)
- أحمد صديق

- 5 أغسطس 2021
- 17 دقيقة قراءة
وفي سورة هود توضيحات وعبر أخرى من قصة نوح عليه السلام "وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥ أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦ فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۢ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨ وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسَۡٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩ وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١ قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢ قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦ وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧ وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠ ۞وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١ وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢ قَالَ سََٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣ وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤ وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسَۡٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧ قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨ أي ومما في التفسير الوسيط / مجموعة من العلماء / الأزهر، في الآية 25: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه قائلا لهم: انني لكم محذر من غضب الله وعقابه ان بقيتم على كفركم موضح لكم ما فيه خلاصكم ورضا ربكم. وفي الآية 26 " أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ" أي: أرسلنا نوحا إلى قومه ليقول لهم : لا تعبدوا إلاها غير الله فإنه وحده الجدير بالعبادة والتقديس. واستمال قلوبهم إليه بتأكيد إشفاقه عليهم وحرصه على إنقاذهم، مما يتعرضون له من عقاب يوم رهيب شديد الإيلام، إذا أصروا على الشرك والضلال فقال: " إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ" واليوم الأليم هو يوم القيامة الذي يجعل الولدان شيبا، أو يوم الهلاك والاستئصال في الدنيا أو هما معا، وقد حل بهم عذاب يوم الطوفان "وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ" (من الآية 127 طه). وفي الآية 27: "فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا" أي فتحدث زعماء قوم نوح الذين كذبوا رسالته قائلين له: ما أنت إلا بشر مشابه لنا في البشرية، لا ميزة لك علينا، فكيف نستجيب لك ونتبعك؟ (الملأ: الزعماء والقادة)، ثم عللوا تكذيبهم بسبب ثان فقالوا: "وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ" (الأراذل: جمع أرذل وهو الخسيس الدنئء، و"بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ: ما يبدو من الرأي للوهلة الأولى دون إمعان للنظر) أي: ولا نعلم أحدا اتبعك من الزعماء والأشراف، بل اتبعك الضعفاء والفقراء، وقد اتبعوك دون روية أو تفكير، لأنهم لا يحسنون التدبر في الأمور "وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۢ" أي: وما نعلم لك ولمن اتبعك مزية ولا فضلا في أي شأن حتى نترك مكانتنا في الرياسة والزعامة وننقاد لكم، ثم ختموا اعتراضهم على رسالته بقولهم له: "بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ" ("نَظُنُّكُمۡ": نعتقد ونوقن، مثل قوله تعالى: "ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ"، من الآية 46 البقرة)، بل نعتقد أنكم مفترون فيما زعمتموه لأنفسكم من فضل: والظن هنا مرة أخرى بمعنى الاعتقاد، كما جاء كذلك في قوله تعالى: "قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ" (من الآية 249 البقرة). وفي الآية 28: ("أَرَءَيۡتُمۡ ": أخبروني عن رأيكم. "بَيِّنَةٖ": حجة قوية واضحة. "رَحۡمَةٗ ": نعمة والمراد بها هنا نعمة النبوة والرسالة. "فَعُمِّيَتۡ": فأخفيت عليكم فلم تدركوها. "أَنُلۡزِمُكُمُوهَا": أنكرمكم على إتباعها): في هذه الآية وما يليها يرد نوح عليه السلام على الأسباب التي استند اليها قومه في تبرير كفرهم – ويرد في رفق وأناة – ويجادلهم بالتي هي أحسن، رجاء أن يفيئوا إلى الصواب. والمعنى: يا قوم إنني لا أزعم أنني أمتاز عليكم فإنني بشر مثلكم، ولكن أخبروني عن رأيكم فيما أعرضه عليكم: إن الله سبحانه قد هداني إليه فآمنت به إيمانا راسخا تابثا معتمدا على الحجة والبينة الظاهرة، وتفضل علي بنعمة خصَّني بها من عنده وهي الرسالة، وأمرني بإبلاغها إليكم تفضلا منه عليكم، وقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة فخفي أمرها عليكم حين بادرتم إلى تكذيبها دون تدبر أو تأمل، فأخبروني ماذا أفعل لكم أنا ومن معي من المؤمنين بعد ذلك؟ أنرغمكم على العمل بشريعة الله التي رحمكم بها وأنتم لها كارهون؟ وفي الآية 29: عاد نوح فذكرهم بأنهم قومه قائلا ما معناه: يا قوم إنني لا أريد منكم مالا على أداء هذه الرسالة، فما أجري إلا على الله وحده، فما بالكم ترفضون ما دعوتكم إليه من الحق، ولست بطارد المؤمنين لفقرهم كما أردتم، (وهذا جواب عما طلبوه منه بقولهم: "وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ"- من الآية 27- كأنهم يوحون إليه بطردهم والتبرؤ منهم)، فإنهم سيلقون الله فينصفهم مني إذا ظلمتهم وأبعدتهم عني إرضاء لكم، ولن أُغضب الله بازدرائي لهم كما تحبون، وليس الأمر في شرع الله دائما على الصور والأجسام والثياب، بل مرده إلى طمأنينة القلوب ونظافة الصدور. وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ أشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أَقْسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ". وهذا الحديث - المُذَكَّر به هنا في التفسير الوسيط / مجموعة من العلماء / الأزهر- عن أبي هريرة، ورواه مسلم. ومن حيث المعنى كما لدى جمهور العلماء، أشعث: من صفات الشعر غير المهتم بمظهره، وأغبر: لونا وثيابا باهتا لشدة الفقر، والمدفوع بالأبواب: من لا يؤذن له بالدخول كناية عن انعدام الجاه، ولو أقسم على الله: أي لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونن كذا لكان، ولأَبَرَّهُ: أجابه إلى ما أقسم الله عليه لكرمه عند الله عز وجل ومنزلته. وفي ختام الآية 29: "وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُم قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ" أي: لا تعرفون أقدار هؤلاء المؤمنين حين حكمتم بأنهم أراذل، ولن أكون مثلكم في الخطأ وسوء التقدير. ويجوز أن يكون المعنى: أراكم قوما بكم جهالة وحمق، دفعكم إلى التعالي على هؤلاء المؤمنين والسخرية بهم، والازدراء والامتهان لهم. وفي الآية 30: ويقول لهم مرة أخرى: ويا قوم من يمنعني من انتقام الله إن طردت هؤلاء الفقراء الذين جعلتموهم أراذلكم، وهو على ما هم عليه من الايمان والاستقامة، أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل والحمق، فلا تتذكرون ولا تتدبرون أن قيمة الناس عند الله ليست في مظاهرهم وثرائهم، بل في صفاء نفوسهم وطواعيتهم للحق، واستقامتهم على جادة الصدق، فكيف أطردهم وهم على المنهج المستقيم؟ وفي الآية 31: ("خَزَآئِنُ" جمع خزانة وهي موضع المال أو المتاع، والمقصود بخزائن الله ما عنده من خير جزيل. " ٱلۡغَيۡب" المراد منه ما غاب وخفي عن الإنسان من العوالم المجهولة، أو أحداث المستقبل. " تَزۡدَرِيٓ": تحتقر). "وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ": بعد أن جادلهم في إدعاءاتهم وفند مزاعهم، أعلن لهم أنه حين يبلغهم رسالة ربه لا يدِّعي أنه يملك ما عند الله من خير ورزق وفير، حتى يستدلوا بعدمه عنده على كذبه بقولهم له ولمن آمن معه: "وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۢ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ"(من الآية 27)، فإن النبوة لا تنال بالأسباب الدنيوية، ودعواها بمعزل عن إدعاء المال والجاه، ولا تفتقر إليهما، "وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ " أي لا أقول لكم حين أنذركم بقولي: "إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ" (من الآية 25)، "إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ"(من الآية 26): لا أقول لكم إني أعلم الغيب، حتى تسارعوا إلى الانكار والاستبعاد، "وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ" أي لا أزعم أني ملك حين دعوتكم إلى دين الله، حتى تردوا دعوتي بقولكم : "مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا" (من الآية 27)، على حين أن البشرية لا تمنع من النبوة، بل هي من مقتضياتها، "وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ " أي ولا أقول في شأن المؤمنين الفقراء الذين تحتقرهم أعينكم، لا أقول في حقهم ما قلتموه أنتم من أنه تعالى لن يؤتيهم خيرا لرثاثة حالهم، فإن الله لا ينظر إلى الصور والثياب، ولكن ينظر إلى القلوب، فعسى الله أن يمنحهم الخير في الدنيا والآخرة، "ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ" أي أن الله تعالى أعلم بما انطوت عليه نفوسهم، فكيف أحكم عليهم بأنهم لن ينالوا من الله خيرا، إني لو قلت هذا لكنت من الظالمين لأنفسهم بالحكم في شيء غيبي لا سبيل لي إلى معرفته، فإن أسرار القلوب بين يدي علام الغيوب. وفي الآية 32: ("جَٰدَلۡتَنَا" الجدال، مقارعة الحجة بالحجة طلبا لتغليب رأي على رأي آخر، ويطلق على شدة المخاصمة والقدرة على النقاش)، أفحم نوح قومه ولم يجدوا مجالا للرد عليه، فتحدوه بأن يُنفذ ما وعدهم من العذاب، وذلك ما حكاه الله بقوله في الآية، والمعنى: قالوا يا نوح قد بالغت في مناقشتنا ولسنا مقتنعين برسالتك، ولا بما قدمته عليها من الأدلة والبراهين، ونحن مصرون على تكذيبك فيما تدعيه من ثواب المؤمنين وعقاب الكفار، فأتنا بما أوعدتنا من العذاب الأليم إن كنت صادقا. وفي الآية 33: ("بِمُعۡجِزِينَ": بسابقين والمراد أنهم لا يفلتون من عذاب الله)، قال نوح مجيبا لهم بما يتفق مع بشريته التي أعلنها لهم من قبل، أو بما يتفق مع رسالته عن الله، قال لهم: ما يأتيكم بالعذاب الموعود إلا الله تعالى إن شاء إنزاله بكم، وليس أمره بيدي حتى تطلبوه مني، ولن تستطيعوا الإفلات منه حين يريد نزوله بكم. وفي الآية 34: ("أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ" أي يترككم في غيكم ويتخلى عن هدايتكم، أو يوقعكم في الغي وهو العذاب، ومنه قوله تعالى: "فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا" من الآية 59 مريم، أي هلاكا وعذابا ) ولا ينفعكم ما أبذله لكم من نصح أردت بذله لكم، إن كان الله يريد أن يبقيكم في غيكم الذي أصررتم عليه، ثم بيَّن أن مردهم إلى ربهم صاحب الأمر فيهم فقال: "هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ" أي أنه تعالى هو مالك أمرهم وحده، وإليه مرجعهم بعد الموت للحساب والجزاء، فأمر هدايتهم وجزاؤهم إليه وحده، وليس لي من ذلك شيء. وفي الآية 35: ("ٱفۡتَرَىٰهُۖ": اخترعه من نفسه ولم ينزله الله عليه. "إِجۡرَامِي" ارتكابي إثما كبيرا)، لما عجز قوم نوح عن محاجَّته زعموا أن كلامه كله كذب وإدعاء: "أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ"، فأمره الله أن يبرئ نفسه مما يقولون، ويحملهم عاقبة افترائهم عليه، والمعنى: بل أيقول قوم نوح بعد عجزهم عن الرد عليه، إنه اختلق هذا الدين الذي يزعم أنه من عند الله، "قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ" أي قل لهم يا نوح إن كنت قد اختلقت ما أبلغتكم إياه من رسالة الله، فعلي إجرامي بالافتراء على الله، وما يترتب عليه من عقاب يستحقه كل من افترى عليه الكذب، فكيف أفتري على الله الكذب وأنا المسؤول عنه دون غيري، وبما أنني صادق فأنا بريء من إجرامكم وكفركم، وهذا شبيه بقوله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم (في الآية 41 يونس): "وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيُٓٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ"، وهنا يتجلى الانصاف الكامل. وفي الآية 36: ("فَلَا تَبۡتَئِسۡ": لا تحزن ولا تتألم)، وأوحى الله إلى نوح أنه لن يستجيب لدعوتك أحد من قومك سوى الذين آمنوا بك من قبل، فلا مجال لبذل النصيحة والدعوة إلى الهداية مع قوم مصرين على الكفر تلك الدهور الطويلة، فلا تحزن عليهم ولا يضق صدرك بكفرهم ومكرهم، وانغماسهم في الآثام والذنوب. وفي الآية 37: ("ٱلۡفُلۡك":السفينة الواحدة والجمع."بِأَعۡيُنِنَا": تحت رعايتنا وتوجيهنا)، أي وقم بعمل السفينة طبقا لوحينا الذي بيَّنا لك فيه كيفية صنعها، وذلك تحت رعايتنا، وبتوجيه وسند منا لتؤدي الغرض المقصود منها، "وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ": ظاهر الآية أن نوحا عليه السلام شفع في قومه أو كان بصدد أن يشفع فيهم فنهي عن ذلك، وفي سورة نوح -وهي بأكملها بعده- أنه عليه السلام، طلب من ربه أن يهلكم بقوله: " رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا " (من الآية 26). وتوفيقا بين هذه الآية وبين ما جاء هنا نقول (كما في نفس التفسير الوسيط): إنه سبحانه يعلم شفقة نوح بقومه وطول إقامته معهم، وأنه قد يدعو ربه أن يتأنى معهم وأن لا يغرقهم أو كان قد دعا فعلا، فلهذا نبهه هنا إلى أن لا يطلب منه ذلك مستقبلا، فقضاء الله فيهم لا رجعة فيه بشفاعته، فلا يطلب منه ما لا سبيل إلى إجابته. وما في سورة نوح من قوله: "رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا " فقد صدر منه بعد يأسه تماما من إيمان قومه. والمعنى في ختام الآية 37 هود: لا تخاطبني في تأجيل تعذيب هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ونبيهم، إنهم مغرقون ولا بد، فلا مجال للرحمة بهم ولا مفر من إهلاكهم. وفي الآية الموالية، 38: ("مَلَأٞ": جماعة من الأشراف. "سَخِرُواْ مِنۡهُۚ": اتخذوه هدفا للاستهزاء ومجالا للضحك). "وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ": نفَّذَ نوح أمر ربه، وظل يباشر صناعة السفينة، وكلما رآه جماعة من أشراف قومه أثناء صنعتها واجهوه بالاستهزاء والسخرية منه. فقد عهدوه داعيا إلى توحيد الله وعبادته، فإذا هو قد انصرف عن الدعوة واشتغل بقطع الأشجار وتهيئة الألواح وضم بعضها إلى بعض ولم يدركوا السر في هذا التغيير. "قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ": لما رأى نوح قومه يسخرون من اشتغاله ببناء السفينة، هددهم بقوله إن تسخروا منا اليوم فإننا عن قريب نجيب على سخريتكم بالفرح بهلاككم، وتخليص الأرض من شروركم وجهلكم في حق ربكم وحق أنفسكم. وفي الآية 39: "فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ": أي إنكم تسخرون منا اليوم وسوف تعلمون غدا من هو أهل للسخرية والاستهزاء حينما يفجؤكم عقاب من الله يخزيكم في الدنيا، وحينما يحل بكم عذاب خالد يوم القيامة وبئس المصير. وفي الآية 40: " حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ" ("فَارَ": فاض وارتفع بقوة واشتد اضطرابه. "ٱلتَّنُّورُ": الفرن. "سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ": حق عليه قضاء الله): ظل نوح عليه السلام يصنع السفينة ويسمع سخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين من قومه، حتى إذا أتم صنعها وحلَّ قضاء الله وتدفقت ينابيع الماء من مكان غير مألوف، وهو جوف الفرن، وهطل المطر من السماء مدرارا، كما قال تعالى (في سورة القمر): " فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢"، حتى إذا حدث هذا كله، قلنا لنوح عليه السلام احمل في سفينتك من كل صنف من الحيوان زوجين اثنين، ذكرا وأنثى، حتى لا تنقرض الأنواع، أما الأنواع التي أمره الله بحملها معه فلم نعلم -كما في نفس التفسير الوسيط - أنه ورد في تحديدها نص صريح يوثق به. واحمل معك في السفينة أهلك جميعا إلاَّ من حق عليه قضاء الله بالهلاك مع الكفار لأنه منهم، ومن سبق عليه القول من أهله هم ابنه وزوجته كما ورد في أكثر من موضع من القرآن الكريم – ومن ذلك، بالنسبة لابنه مما من الآيتين 43 و 46 بعده، وبالنسبة لزوجته ذكرها وبمعية امرأة لوط عليه السلام، في الآية 10 التحريم: "ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ"، ومما في تفسير البغوي: خيانة زوجة نوح وزوجة لوط أنهما كانتا على غير دينهما. وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان، أو كما في تفسير الجلالين: خيانتهما لزوجيهما في الدين إذ كفرتا – واستئنافا لما في نفس التفسير الوسيط لما تبقى من الآية 40 هود، وما بعدها: "وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ" أي: واحمل معك الذين استجابوا لدعوتك وآمنوا برسالتك وهم عدد قليل. وفي الآية 41: "وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ" ("ٱرۡكَبُواْ فِيهَا": أي اركبوا مستقرين فيها. "مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ": أي جريها في الماء، وإرساؤها أي إثباتها في مراساها، ويجوز أن يكون المراد منهما مكان أو زمان جريها وإرسائها)، بعد أن بينت الآية السابقة أن الله تعالى أمر نوحا عليه السلام أن يحمل في السفينة زوجين اثنين من كل الحيوانات المنتفع بها، وأن يحمل فيها أهله إلا من سبق عليه قول الله بالغرق بالطوفان، جاءت هذه الآية لتبين أنه نفَّذ ما أمره به، وأوصى أهله أن يذكروا اسم الله تعالى عند ركوبهم فيها، قال نوح عليه السلام لأهله والمؤمنين الذين أمره الله بحملهم معه: اركبوا في السفينة قائلين بسم الله جريها فوق الماء المتلاطم الأمواج وبين الزوابع والعواصف وتحت سحب مفتحة الأبواب بماء منهمر، وبسم الله إرسائها وإيقافها عن الجري عند مرساها الذي شاء الله أن يوقفها ويثبتها عنده. ويجوز أن يكون نوح بعد أن أمرهم بركوبها، أخبرهم بأن جريها وإرساءها بإذن الله وحمايته حتى لا يخافوا من ركوبها في هذا الفزع الأكبر، فكأنه قال لهم: اركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإيقافها لا بإذني، فلا تخافوا من الغرق. ويرشح هذا المعنى ختم الآية بقوله سبحانه: "إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ" أي إن ربي لعظيم الغفران لذنوب المؤمنين، واسع الرحمة والرأفة بهم، ومن كان كذلك فهو الكفيل بنجاتهم من كل خطر يحيط بهم. وفي الآية 42: "وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ" أي تجري بهم بعد ركوبهم، في موج مرتفع كالجبال، لشدة العواصف والرياح التي يتأثر بها الموج "وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ" أي في مكان عزل نفسه فيه عن أهله"يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ". والمعني الاجمالي للآية: فركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإرسائها، وهي تجري بهم في موج كالجبال، وكان نوح قبل إبحارها قد نادى ابنه وكان في معزل عنه وعمن آمن به، قائلا له بحكم الشفقة الدينية والأبوية: يا بني اركب معنا نحن المؤمنين ودع ما أنت عليه من الكفر، لتنجو من الغرق، ولا تكن منعزلا عنا مع الكافرين فإنهم سيغرقون ويهلكون. وفي الآية 43: " قَالَ سََٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ" أي يمنعني ويحميني منه " قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ"، توهم هذا الولد المفتون أنه يستطيع أن ينجو من الغرق باللجوء إلى جبل مرتفع، كما يحدث في بعض الملمات من اللجوء إلى أسباب النجاة العادية، فلهذا رفض دعوة أبيه وقال له: سألجأ إلى جبل مرتفع يحميني من الماء ويمنعني تسلقه من الغرق بالطوفان، فرد عليه أبوه قائلا " لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ": أي ليس هذا الذي نزل بالناس ماء عاديا يُتَّقى فيضانه بارتقاء الجبال، بل هو عذاب الله وعقابه للكافرين فلا ينجي منه إلا الله الذي رحم عباده المؤمنين بإركابهم سفينة النجاة، فدع عنك هذه الغفلة، وآمن بربك واركب مع المؤمنين سفينة النجاة، لتنجو معهم، ولكنه لم يستمع إلى نصيحة أبيه، "وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ": أي قام الموج حائلا بين نوح وابنه فاجتذبه إليه، وانقطعت صلة التفاوض بينهما، وكان هذا الولد من جملة الذين أغرقهم الله بالطوفان من الكفار أمثاله. وفي الآية 44: ("وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي": ويا سماء أمسكي عن المطر، والسماء هنا، السحاب. " وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ": أي نقص. "وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ": واستقوت السفينة على جبل يسمى بهذا الاسم، واختلف في موقعه على ما سنبينه في الشرح. "بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ": أي هلاكا لهم، يقال: بَعُدَ بُعْداً وبَعْداً، إذا بَعُدَ بحيث لا يرجى رجوعه، ثم استُعِير للهلاك)، و"وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي": هذه الآية تبين انتهاء الطوفان بأمر الله، بعدما أهلك الله به الظالمين. فبعد إهلاك الله تعالى الظالمين بالطوفان، أمر الأرض أن تكف عن الفوران وأن تبتلع ما على ظهرها من الماء الذي جاء به الطوفان، دون ما فيها من مياه البحار والمحيطات، وأمر السماء أن تكّف عن المطر، وتقلع عن إرساله مدرارا، وظاهر الآية أن الأرض والسماء نوديا حقيقة، وأنه تعالى خلق لهما إدراكا جعلهما أهلا لتقبل التكليف، ولا يبعد ذلك عن قدرة الله تعالى، ويشهد له قوله تعالى: "وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ" (من الآية 79 الأنبياء). وقال الإمام البيضاوي: نوديا (الأرض والسماء) بما ينادى به أولوا العلم، وأمرا بما يؤمرون به تمثيلا لكمال قدرة الله تعالى، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالآمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه. " وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ": أي ونقص الماء حتى غاب في الأرض بعدما صدر أمر الله للسماء بالإقلاع والأرض بالابتلاع وتنفيذهما مشيئته فيهما، وأُنجز الأمر الذي جاء الطوفان من أجله، وهو هلاك أولائك الظالمين من قوم نوح، وتطهير الأرض منهم لينشأ جيل جديد من البشر، على توحيد الله وطاعته، واستقرت السفينة بعد أن جف ظاهر الأرض على جبل اسمه الجودي. وقد اختلف الناس في بيان موقعه، فمنهم من قال: إنه بالموصل، ومنهم من قال: بالشام، ومنهم من قال: بآمُل (بمد الهمز وضم الميم)."وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ"، إذ قلت: بعدا لفلان، فأنت تدعو عليه، فهو خاص بدعاء السوء، وكثيرا ما يستعار للدعاء بالهلاك كما هنا. والمعنى: وقيل من جهة الله تعالى: هلاكا لقوم نوح لكونهم ظالمين أشد الظلم. وجدير بالإشارة، بصفة عامة، أن في نفس التفسير الوسيط المعتمد هنا، صياغة لمعاني الآيات في سورة هود حول قصة نوح عليه السلام، التساؤل مطروح: هل شمل الطوفان جميع الأرض؟ ومحاولة الإجابة في ذلك التفسير: إذا قرأنا قصة الطوفان في سور القرآن التي تحدثت عنه، نجد فيها أن الله تعالى جعله عقوبة لقوم نوح، لغلوِّهم في الكفر وإصرارهم عليه أحقابا ودهورا، وقوم نوح كانوا في إقليم من أقاليم الأرض يعلمه الله، ولم يكونوا منتشرين في أرجائها كلها، فهل يبعثنا هذا على القول بأن الطوفان لم يعم الأرض جميعا، بل كان قاصرا على المنطقة التي كان يوجد فيها قوم نوح لعقابهم، وهل يشهد لصحة هذا الإستنتاج أن الله تعالى قال هنا، في آخر القصة: "وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ"، كما يشهد له أن نوحا كان قريبا من جده آدم، عليهما السلام، فالبشرية كانت محصورة في حيِّز ضيق من الأرض، أم أن الطوفان مع كونه عقوبة لقوم نوح، فإنه كان عاما لجميع أنحاء الأرض لحِكَم يختص بعلمها الحكيم الخبير، ولم نجد لهذا السؤال جوابا حاسما يحمل على اعتقاد عمومه أو خصوصه يقينا، والذي يجب اعتقاده هو عموم الطوفان للكافرين لقوله تعالى:" رَّبِّ لَا تَذَرۡعَلَى ٱلۡأَرۡض مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا" ( من الآية 26 نوح) وقوله: "لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ" (من الآية 43 هود). واستئنافا للتفسير من نفس المصدر ولما تبقى من الآيات، حول قصة نوح عليه السلام، في سورة هود، في الآية 45: ("إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي" أي بعض أهلي الذين وعدتني بنجاتهم):" وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ"، وظاهر هذه الآية أن نوحا عليه السلام أراد بقوله أن يطلب من الله تعالى نجاة ابنه من الغرق بالطوفان، فكيف يطلب ذلك وأن الموج كما سبق ذكره حال بينهما، فانقطع الحديث، وكان هذا الولد من المغرقين، ويجاب عن ذلك بأن نوحا لم يكن رآه يغرق، وأنه ربما ظن أنه نجا باللجوء إلى جبل، أو أن كفره لم يكن مؤكدا لديه. ولذا قال: "إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي"، ولم يكن يظن أنه ممن سبق عليه القول بالغرق في قوله سبحانه: "إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ" وأجيب بغير ذلك، وحسبنا ما ذكرناه ( وهذا كما قيل في نفس التفسير الوسيط لمجموعة العلماء). والمعنى: ودعا نوح ربه قائلا: يا رب إن ابني من أهلي، وقد وعدت أن تنجيهم فما حاله؟ أو فماله لم ينج؟ ويجوز –كما في نفس التفسير- أن يكون هذا النداء قبل غرقه، كما قال البيضاوي. "وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ" أي وإن كل وعد يصدر عنك يا رب هو الحق، فلا يتطرق إليه الخُلْف، وقد وعدت أن تنجي أهلي، وأنت أعدل الحاكمين، فلعلك يا ربي نجيته، وقضيت بنجاته. وفي الآية 46: ( "لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ" أي لا يستحق الإنتساب إليهم لانقطاع الولاية بين المؤمن والكافر. "إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ" أي إنه صاحب عمل فاسد، فلا يُنسب إلى أهلك الذين سبق الوعد بإنجائهم. "إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ" أي اني أحذرك أن تكون من جملة الجاهلين بسؤالك نجاة ولدك الكافر)، "قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ" أي قال الله لنوح في إجابته على سؤاله: يا نوح ان ابنك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم من الطوفان، لأن عمله لا صلاح فيه، فهو الفساد بعينه، فخرج بذلك عن كونه من أهلك، لانقطاع الولاية بين المؤمن والكافر، ولأن أساس نجاة أهلك الإيمان دون النسب، " فَلَا تَسَۡٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ" أي إذا كنت قد علمت شأن ولدك الذي ظننت أنه أهل للنجاة، وتبين لك أنه أهل للهلاك لكفره، فلا تسألني فيه ولا في غيره بعد ذلك مطلبا لا تعلم يقينا أنه صواب وموافق للحكمة، "إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ" أي إني أحذرك وأنهاك عن أن تكون من جملة الجاهلين، بسبب سؤالك إيانا ما لا تعلم يقينا أنه صواب وموافق للحكمة لدينا. وفي الآية 47: ("أَعُوذُ بِكَ" ألتجئ إليك وأحتمي بك)، "قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسَۡٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ": تحكي هذه الآية توبة نوح عما سأله في شأن ولده، ولجوءه إلى الله أن يعصمه من أن يعود إلى مثل ما طلبه بشأنه. والمعنى: قال نوح بعد ما وعظه الله وذكَّره: يا رب إني ألتجئ إليك لتعصمني من أن أطلب منك مستقبلا مطلبا لا أعلم يقينا أن حصوله مقتضى الحكمة أو أنه صواب. وهذه الاستعاذة التي صدرت من نوح عليه السلام، هي توبته مما حدث منه، وهي أبلغ في التوبة من أن يقول: أتوب إليك أن أسألك، لما فيها من الدلالة على أن ذلك أمر لا قدرة للعبد عليه إلا الاستعانة بالله واللجوء إلى حمايته وعصمته، "وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ"أي وإن لم تغفر لي يا رب ما طلبته في شأن ولدي حين قلت: "رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ"، فقد سألتك بذلك نجاته، وظننت أنه داخل في وعدك الحق ولم أكن عالما بحقيقة أمره،وأنساني ذلك شكر إنعامك بالنجاة علينا، وإهلاك أعدائنا إن لم تغفر لي ذلك، وترحمني بقبول توبتي، أكن من الذين خسروا أعمالهم وأضاعوها لأنني غفلت عن أنَّ ترك ولدي لركوبه معنا في السفينة التي أمرتني يا الله بإعدادها لنجاة المؤمنين شاهد على أنه لا يأتمر بأمر ربه، وأنه ليس معه بقلبه، وأنه لا يستحق أن يكون داخلا في الوعد بنجاة أهلي. وفي الآية 48: ("بِسَلَٰمٖ": بسلامة وأمن. "وَبَرَكَٰتٍ": ونعم ثابتة)، "قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ" أي قالت الملائكة بأمر الله، أو قال الله تعالى: يا نوح اهبط من السفينة بسلامة وأمن منا إلى الأرض التي ابتلعت ماءها وأصبحت صالحة للنزول بها، وهذه السلامة مصحوبة ببركات وخيرات دنيوية وأخروية، عائدة عليك في نفسك ونسلك وعائدة أيضا على أمم سوف تنشأ ممن معك، وتتشعب منهم وعلى سنَّتهم من الإيمان إلى يوم القيامة، وهذه البشارة إعلام بقبول توبة نوح ونجاته من الخسران بفيضان الخيرات عليه في كل ما يأتي ويذر، وعلى أمم مؤمنة تنشأ ممن ركبوا السفينة معه من المؤمنين، "وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ"أي وأمم من ذريتهم ليسوا على سنتهم من الإيمان والعمل الصالح، سنمتعهم في الدنيا فيستنفذون فيها طيباتهم ثم يصيبهم في الآخرة أو فيهما معا عذاب شديد الإيلام. فالسلام الذي هبط به نوح ومن آمن معه دخل فيه كل مؤمن ومؤمنة من ذرياتهم إلى يوم القيامة، والمتاع العاجل والعذاب الآجل دخل فيه كل كافر وكافرة من ذرياتهم إلى يوم القيامة، وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلا، منهم من رحم ومنهم من عذب


تعليقات