معجزات موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه
- أحمد صديق

- 11 مايو 2021
- 6 دقيقة قراءة
إن معجزات موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه مبينة في القرآن. و علاوة على العصا واليد البيضاء المشار إليهما في المبحث قبله( سورة القصص)، هناك أولا في سورة الأعراف، ذكر آيات السنين والطوفان والجراد والقمَّل والدم والضفادع: "وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)" أي: ولقد ابتلينا فرعون وأتباعه بالقحط ( جدب سنين) ونقص الثمار ( من كثرة الآفات) ليتَّعظوا (وترق قلوبهم فيؤمنون)، فإذا جاءهم الخصب والرخاء، قالوا أعطينا هذه باستحقاق وأن يصبهم جدب وبلاء ( من مرض أو غيره) تشاءموا بموسى ومن معه (من المؤمنين) ألا إنما شؤمهم عند الله ( إذ ان ما يصيبهم من شر- كما من خير- فهو بتقدير الله، وليس بشؤم موسى) ، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ما لحق بهم من القحط (والشدائد عموما) إنما هو عند الله عز وجل بذنوبهم، لا من عند موسى وقومه، وقال قوم فرعون لموسى: اي شيء تأتينا من المعجزات لتصرفنا عما نحن عليه فلن نؤمن لك. (الملاحظ هنا، قولهم آية لتسحرنا بها، المقصود منه الاستهزاء وكما في الكشاف للزمخشري ، وكما قيل في تفسير القرطبي: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سجدا، عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون، فكان قولهم أنهم تعرضوا للسحر فلن يؤمنوا)، وكما قيل في تفسير الجلالين: بعد قولهم هذا، دعا موسى عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم سيلا دخل بيوتهم ووصل حلوق الجالسين عدة ايام ( إنه الطوفان بمعنى لغوي عام أي ما يطيف بهم فيهلكهم، من مطر شديد أو سيل أو موت، وقالوا، كما لدى القرطبي: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا، فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينتبه قبل ذلك من الكلإ والزرع، فقالوا: كان ذلك الماء نعمة، فبعث الله عليهم الجراد، ( لوحظ في تفسير القرطبي كذلك أنه أكل زرعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ديارهم، ولم يدخل دورَ بني إسرائيل منها شيء)، هذا بالإضافة إلى إرسال الله تعالى القمَّل ( قيل هو السوس الذي نخر حبوبهم وتتبع ما تركه الجراد، كما قيل إنه القمل المعروف، كان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه) والضفادع ( فملأت بيوتهم وطعامهم)، وعقابا لهم على تماديهم في الكفر أرسل الله عليهم الدم ( وفي تفسير القرطبي سال النيل عليهم دما، وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء، والقبطي الدم)، إنها آيات مبيَّنات فيها عبر وعظات، فترفعوا عن الإيمان بالله تعالى، وكانوا قوما تمادوا في إجرامهم، وحين حل بهم ذلك العذاب قالوا يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا البلاء بحق ما اختصَّك به فنبَّأك (وقيل هذا قسم، اي بعهده عندك إلا ما دعوت لنا)، لئن رفعت عنا العذاب لنصدّقنَّ بما جئت به ولنطلقنَّ سراح بني إسرائيل (وقد كانوا يستخدمونهم في أرذل الأعمال)، فلما كشفنا بدعاء موسى عنهم العذاب إلى حد من الزمان هم واصلون إليه، أي أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق، إذا هم ينقضون عهدهم ، ويصرّون على كفرهم، فانتقمنا منهم بالإغراق في البحر، بسبب أنهم كذبوا بآيات الله وكانوا لا يبالون بها ولا يتدّبرونها .
وهناك ثانيا في سورة يونس، ذكر آية الطمس وما يرتبط به : " وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) " أي: وقال موسى ربنا إنك أعطيت فرعون واشراف قومه أثاثا وأموالا في الدنيا (ليضلوا) عن دينك ( فعاقبتهم منع الناس عن طاعتك أو عاقبة أمرهم إلى الضلال كأنك سبحانك أعطيتهم ليضلوا، هذا حسب القراءات والمفسرين)، أهلك يا الله، أموالهم وبدّدها (قيل بمسحها أو تحويلها حجارة، من دارهم ودنانير وفرش وكل شيء لهم)، واطبع على قلوبهم واستوثق حتى لا تنشرح للإيمان، فلا يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب المؤلم ويوقنوا به حيث لا ينفعهم ذلك ( وقد علم موسى بطريق الوحي أنهم لن يؤمنوا فدعا عليهم وكما قال ابن عباس: كان موسى يدعو وهارون يؤمِّن، فنسبت الدعوة إليهما). قال تعالى قد استُجيبت دعوتكما، فأثبتا على الرسالة إلى أن يأتيكما تأويل الإجابة (وقيل في تفسير القرطبي ومكث فرعون وقومه أربعين سنة ثم أهلكوا. وفي تفسير الجلالين: مسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى ادركه الغرق)، ولا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدى ووعيدي ( فلا استعجال لقضائي).
كما أن هناك ثالثا في سور أخرى، منها سورة الشعراء، ذكر آية الفلق وسياقه : " وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) " أي: وامرنا موسى بالوحي، أن يسير ليلا ببني اسرائيل، إلى جهة البحر (وكما لدى القرطبي، سماهم عباده لأنهم آمنوا بموسى)، إن فرعون وقومه يتبعونكم ليردوكم إلى أرض مصر ويقتلونكم (وفي ضمن هذا الكلام حسب تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ببني اسرائيل سحرا، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني اسرائيل يقول له في ترك الطريق، فيقول هكذا أمرت)، حين أخبر بمسيرتهم بادر فرعون إلى الإرسال في المدن ( التجمعات السكنية التي قيل أنها تزيد على الألف) لمن أمرهم أن يُجمعوا له الجيش، قائلا لهم أن هؤلاء ( بني اسرائيل) لطائفة قليلة (وفي تفسير الطبري: كان بنو اسرائيل ستمائة وسبعين ألفا ولكنه قللهم بالنسبة إلى كثرة جيشه. ولدى القرطبي أن موسى عليه السلام خرج، على أي، بجمع عظيم من بني اسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك)، ويعتبر فرعون كذلك أن تلك الطائفة القليلة، المنسوبون إليها لفاعلون ما يغيظنا وتضيق به صدورنا، ونحن قوم متيقّظون ومتأهّبون ( في الكشاف، قول الزمخشري: إن هذه معاذير اعتذر بها إلى قومه لئلا يُظنَّ به ما يكسر من قهره وسلطانه)، ويؤكد الله تعالى: فأخرجنا فرعون وقومه من (مصر)، من بساتين، كانت على جانبي النيل وأنهار جارية في الدور من النيل، وأخرجناهم من أموال ( هي الظاهرة من الذهب والفضة والتي كنزوها)، ومنزلا كان لهم مجلسا بهيّا ( مجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه أتباعهم) مثل ذلك الإخراج الذي وضحناه فعلنا بهم، وأورث الله تعلى بني اسرائيل ما ذكره من الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم، وذلك بعد إغراق فرعون وقومه ( وقال الحسن وغيره، كما في تفسير القرطبي: رجع بنو اسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، وقيل: أراد بالوراثة هنا الحلي التي استعارها بنو اسرائيل من فرعون ليوم الزينة، وأن الله تعالى أورثهم أرضا مثلها، قد وعدهم بها في الشام، أو رجوع بني إسرائيل إلى مصر بعد موسى في زمان النبي سليمان)، و يبيّن الله كذلك أنهم لحقوهم وقت شروق الشمس، فلما رأى كل منهما الآخر- جمع موسى وجمع فرعون – قال أصحاب موسى: قرب منا العدو ولا طاقة لنا به (قالوا إنهم ملحقون من فرعون وجنوده، وساءت ظنونهم حين رأوا عدوهم بجبروته وراءهم والبحر أمامهم)، رد عليهم موسى : إن ربي معي ( بالنصرة) سيدلّني على طريق الخلاص، ما أمرنا موسى بالوحي أن يضرب البحر بعصاه، ولما فعل ما أمر به انشق البحر فكانت كل كتلة ( جزء) منه كالجبل الشامخ المهيب ( قال ابن عباس: صار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط منهم طريق)، وقرَّبنا فرعون وقومه إلى البحر حتى دخلوه، على إثر دخول بني اسرائيل، وأنجينا موسى والمؤمنين معه جميعا، ثم أغرقنا فرعون وقومه، إن في ذلك لعلامة (دلالة ) على قدرة الله تعالى ( فإغراق فرعون وقومه عبرة عظيمة على إنجاء الله لأوليائه وإهلاكه لأعدائه) وما كان أكثر الناس عموما ومن قوم فرعون خاصة مؤمنين، مع مشاهدة الآيات العظمى ومنها تلك الآية، وإن الله لهو المنتقم من أعدائه ، الرحيم بأوليائه (ولقد لاحظ المفسرون كذلك أنه لما انفلق البحر جعله الله يبسا لموسى وقومه، وصار فيه اثنا عشر طريقا ووقف الماء بينها كالطرد العظيم، فلما خرج أصحاب موسى وتكامل دخول أصحاب فرعون أمر الله البحر أن يطبق عليهم فغرقوا فيه، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون فنُبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه، ولوحظ كذلك أنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون (واسمه حزقيل) وابنته آسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت موسى على قبر يوسف عليه السلام، وقد احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة قائلة لا أدلك على قبر يوسف حتى تعطيني حكمي) إنها العجوز مريم بنت ذا موسى.
وتجدر الإشارة من جهة أخرى وبصفة عامة أن آية الفلق وسياقه، - كما ورد ذكرها في سورة الشعراء- تحيل على آيات قرآنية أخرى وما حولها، ومنها الآيات 50 في سورة البقرة و 136 في سورة الأعراف و 77 في سورة طه، و 24 في سورة الدخان.


تعليقات