عود على بدء ، في أعظم سورة
- أحمد صديق

- 27 أغسطس 2021
- 6 دقيقة قراءة
إنها سورة الفاتحة وما ورد من أحاديث حولها، وهي المعنية بقول الله تعالى، في سورة الحجر: " وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)"، و هي كما في الحديث " أعظم السور في القرآن " و "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد بن المعلىّ رضي الله عنه، كما رواه البخاري وغيره).
هذا، بالإضافة إلى ما بلَّغه أبو هريرة حول الفاتحة كذلك، وفي سنن الترمذي: "أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها".
وكون الفاتحة سبعا من المثاني- كما قال ابن عباس وقتادة وغيرهما في التفاسير- معناه انها تثنَّى في كل ركعة أي تعاد، وقيل كذلك لأنها يثْنى بها على الله تعالى أو لأنها استثنيت لهذه الأمة، لم تنزل على من قبلها.
واستنادا إلى " وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ " في الآية ( كما في الحديث)، كما يقول العلماء كعبد البر أو الخطابي، المراد أن الفاتحة مميَّزة في القرآن العظيم، " وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ " على معنى التلاوة ، أو الفاتحة هي القرآن العظيم ولا مانع من إطلاق ذلك الوصف عليها، لأن بعض القرآن يطلق عليه القرآن.
ومن خلال تفسير القرطبي، من أسماء الفاتحة أم القرآن لأنها أوّله، متضمّنة لجميع علومه.، ومن خلال تفسير ابن كثير، هي أم القرآن لأن رجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمّنته.
وبصفة أعم، معنى الآية 87 في سورة الحجر وكما في التفسير الوجيز للزحيلي : ولقد آتيناك، أيها الرسول، سبع آيات تثّنى وتكرر في كل ركعة، وهي الفاتحة والقرآن العظيم في ما اشتمل عليه، وهو عطف عام على خاص، والكل على الجزء.
وجدير بالإشارة، حول البسملة، أن القرَّاء اتفقوا على الاتيان بها في أول سورة الفاتحة (كما في أول السور الأخرى، ما عدا براءة)، أما من حيث آراء الفقهاء في هذا الصدد فمالك يرى أن البسملة ليست من الفاتحة ولا من فواتح سور القرآن الكريم. وحنيفة يرى كذلك أن البسملة ليست آية من الفاتحة، لكنها آية تامة من القرآن أنزلت للفصل بين السور (ماعدا أول سورة براءة). وبالنسبة للشافعية والحنابلة، البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة (ماعدا سورة براءة) ولدى كل الفقهاء والقراء تبقى البسملة من الآية 30 في سورة النمل.
والفاتحة (أم القرآن والسبع المثاني وأعظم السور في القرآن الكريم):
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)، أي وبتصرف، من خلال التفسير الميسّر (نخبة من العلماء، المدينة): ابتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به. و " الله" علم على الرب، تبارك وتعالى، المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره، سبحانه، " الرَّحْمَنِ " ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق ( في الدنيا)، " الرَّحِيمِ" بالمؤمنين (خاصة، وفي الآخرة)، وهما اسمان من أسماء الله تعالى. " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ": الثناء على الله بصفاته التي كلها أوصاف كمال وبنعمه الظاهرة والباطنة (وفي ضمنه أمر لعباده أن يحمدوه)، وهو سبحانه القائم بأمور خلقه والمربّي لهم " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " أي يوم القيامة (يوم الجزاء على الأعمال)، " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ": وحدك نخصّك بالعبادة ونسعتين بك في أمورنا كلها، " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ": وفّقنا إلى الطريق المستقيم (الإسلام) الذي دلّ عليه خاتم رسلك وأنبيائك محمد صلى الله عليه وسلم، " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ": طريق الذين أنعمت عليهم من النبيئين، والصدّيقين والشهداء والصالحين، " غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" ولا تجعلنا ممن سلك طريق المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، " وَلَا الضَّالِّينَ " وهم الذين لم يهتدوا فضلوا الطريق.
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول " قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال : الرحمان الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال : مالك يوم الدين قال: مجّدني عبدي، وقال مرة : فوّض إلي عبدي، فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي، ولعبد ما سأل، فإذا قال :اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" وفي رواية : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي" (رواه مسلم واصحاب السنن الأربعة وغيرهم).
ومما في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد أمين الشنقيطي، " الْحَمْدُ لِلَّهِ " حمدٌ ظرفُه المكاني السماوات والأرض: " وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " (من الآية 18 الروم)، من ظروفه الزمانية الدنيا والآخرة: " وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ " (من الآية 70 القصص)، " رَبِّ الْعَالَمِينَ": تبيان ما العالمون في: "قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)" (الشعراء). وقول بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال والجلال. "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ": تبيانه في قوله: " وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)" (الانفطار)، المراد بيوم الدين: الجزاء. وإتيانه سبحانه بقوله " وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " بعد قوله " إِيَّاكَ نَعْبُدُ" فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكّل إلا على من يستحق العبادة، لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخرى كقوله "فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) " ( التوبة) .وقوله تعالى: " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " لم يبيّن هنا من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم وبيّن ذلك في موضع آخر بقوله " فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" (من الآية 69 سورة النساء).
ومن الأحاديث الصحيحة الأخرى في فضل وخاصّيات الفاتحة والتي حقّقها الألباني هناك: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: " هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم"، فنزل منه ملك، فقال : " هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم" فسلم وقال : " أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" (رواه مسلم والنسائي)، وكما يقول المفسرون، "نقيضا" معناه صوتا كصوت الباب إذا فتح، " وحرف منهما" معناه مما فيه من الدعاء "إلا أعطيته"، أي أعطيت مقتضاه.
وروى البخاري ومسلم (واللفظ لمسلم)، عن أبي سعيد الخدري قال: "نزلنا منزلا فأتننا امرأة فقالت إن سيد الحي سليم لدغ، فهل فيكم من راق فقام معها رجل منا ما كنا نظنه يحسن رقية، فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوه غنما وسقونا لبنا فقلنا: أكنت تحسن رقية، فقال ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب، قال فقلت لا تحرّكوها حتى نأتي النبي إلى الله عليه وسلم، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: " ما كان يدريك أنها رقية أقسموا واضربوا لي بسهم معكم". وقال النووي: فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر أصحاب الأسقام والعاهات، وفي الحديث تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنها حلال لا كراهية فيها، والقسمة في الحديث من باب المروءات ومواساة الرفاق، والضرب له صلى الله عليه وسلم بسهم قاله تطيبا لقلوبهم ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا شبهة فيه.
وهناك أقوال أخرى للعلماء حول الفاتحة، ومن ذلك قول شيخ الإسلام، ابن تيمية (بفتاويه وفي نطاق التفسير)، جاء مأثورا عن الحسن البصري، رواه ابن ماجة وغيره، إن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علما في الأربعة وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصّل، وجعل علم المفصّل في أم القرآن، وجمع علم القرآن في هاتين الكلمتين الجامعتين " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ "، وإن علم الكتب المنزلة من السماء، اجتمع في هاتين الكلمتين الجامعتين، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح حديث (قسمة الصلاة نصفين والمذكور قبله)، ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية وفي نفس المصدر: وثبت بهذا النص أن هاته السورة (أي الفاتحة) منقسمة بين الله وبين عبده ، وأن هاتين الكلمتين مقسم السورة : ف " إِيَّاكَ نَعْبُدُ " مع قبله لله و " وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " مع ما بعده للعبد وله ما سأل. ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء (انتهى قول ابن تيمية). و يلاحظ جمهور العلماء أن المفصّل لفظ يطلق على السور بدءا من سورة (ق) إلى آخر المصحف، وقيل إن اوله سورة الحجرات، وسمي بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل كذلك لقلة المنسوخ فيه، ولهذا يسمى المحكم أيضا، وآياته قصار ووسط وطوال.
وابن قيّم الجوزية قال في كتابه (مدارج السالكين، بين منازل " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): الحمد (في الفاتحة) يتضمن أمورا ثلاثة، فهو (أي الله تعالى) المحمود في إلوهيته وربوبيته ورحمته، كما قال (ابن قيم الجوزية): وجميع الرسل إنما دعوا إلى " إياك نعبد وإياك نستعين"، فإنهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته.


تعليقات