top of page

حالات أخرى للإستعاذة بالله تعالى من شرور بعينها

  • صورة الكاتب: أحمد صديق
    أحمد صديق
  • 17 يوليو 2021
  • 12 دقيقة قراءة

في سورة مريم ، استعاذة مريم بالرحمان ممن خشيت أن يكون أرادها بسوء قائلة إن كنت تقيا فاتركني ولا تؤذني، وذلك في الآية 18 والتي إطارها العام : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)". وهكذا، كما في تفسير القرطبي، قوله تعالى : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ " والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي عرّفهم قصة مريم ليعرفوا كمال قدرتنا، "إِذِ انْتَبَذَتْ" أي تنحّت وتباعدت "مِنْ أَهْلِهَا " أي ممن كان معها، والانتباذ الاعتزال والانفراد، واختلف الناس لم انتبذت، فقال السدي: انتبذت لتظهر من حيض أو نفاس، وقال غيره: لتعبد الله، وهذا أحسن، وذلك أن مريم عليها السلام كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه، فتنحَّت من الناس لذلك، ودخلت في المسجد إلى جانب المحراب في شرقه لتخلو للعبادة، فدخل عليها جبريل عليه السلام، فقوله : " مَكَانًا شَرْقِيًّا " اي مكانا من جانب الشرق، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلع الانوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها، حكاه الطبري. وحُكِيَ عن ابن عباس أنه قال: إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة، لقول الله عز وجل : " إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا "، فاتخذوا ميلاد عيسى عليه السلام قبلة، وقالوا: لو كان شيء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه السلام فيه. واختلف الناس في نبوَّة مريم، فقيل: كانت نبيَّة بهذا الإرسال والمحاورة للمَلَك. وقيل لم تكن نبيَّة وإنما كلَّمها مثال بشر، ورؤيتها للملك كما رُؤِي جبريُل في صفة دِحْيَة حين سؤاله عن الإيمان والإسلام، والأول أظهر، " فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا " جعلت بينها وبين قومها سترا وحاجزا، "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا" قيل: هو روح عيسى عليه السلام، لأن الله تعالى خلق الارواح قبل الأجساد، فركَّب الروح في جسد عيسى عليه السلام الذي خلقه في بطنها، وقيل: هو جبريل واضيف الروح إلى الله تعالى تخصيصا وكرامة، والظاهر أنه جبريل عليه السلام، لقوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا " اي تمثل المّلَكُ لها " بَشَرًا " تفسير أو حال " سَوِيًّا " اي مستوي الخلقة، لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته ( قال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه، جعْد الشعر، مستوي الخلقة، وقال جمهور المفسرين، إنما تمثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة المَلَكِية لنفرت ولم تقدر على السماع لكلامه، ودل على عفافها وورعها أنها تعوَّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن). واستئنافا لما في تفسير القرطبي: ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ف " قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا "، أي ممن يتقي الله ( البكالي: فنكص جبريل عليه السلام فزعا من ذكر الرحمان تبارك وتعالى، في البخاري قال أبو وائل: علمت مريم أن التقيَّ ذو نُهْيَةٍ حين قالت: " إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا") فقال لها جبريل عليه السلام : " إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا " جعل الهبة من قِبَلِه لما كان الإعلام بها من قبله وقيل: معنى " لِأَهَبَ"، أي – مما في نفس التفسير للقرطبي- قال: أُرسلت لأهب لكِ، فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه ف " قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ " أي بنكاح، " وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا " اي زانية. وذكرت هذا تأكيدا، لأن قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد؟ من قبل الزوج في المستقبل أم بخلقه الله ابتداء؟ وروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها، قاله ابن جريج. ابن عباس: أخذ جبريل عليه السلام رُدْنَ قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى. قال الطبري : وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وان عيسى عاش إلى ان رُفِعَ، اثنين وثلاثين واياما، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين، فكان جميع عمرها نيفا وخمسين سنة، " قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ " أي وكما في تفسير ابن كثير: إنه سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قدير، ولهذا قال: " وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ " أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إلاه غيره ولا رب سواه. وقوله " رَحْمَةً مِنَّا " أي ونجعله هذا الغلام رحمة من الله نبيَّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده. وعن مجاهد قال: قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت حدَّثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبَّر، وقوله : " وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا " يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدَّر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا النفخ في فرجها، كما قال تعالى : "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا " (التحريم، 12) وقال "وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا " (الأنبياء،91)، قال محمد ابن إسحاق : "وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا " أي: ان الله قد عزم على هذا، فليس منه بدٌّ، واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.

وفي سورة غافر صيغة أولى للاستعاذة بالله تعالى، هي على لسان موسى، من كل عنيد لا يؤمن بالله ولا يصدّق بالآخرة (وفرعون زمانه نموذجا)، وذلك في الآية 27، هي امتداد مباشر للآيات الاربع قبلها : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)" والمعنى، كما في التفسير الميسر/ نخبة من العلماء/ المدينة: ولقد ارسلنا موسى بآياتنا العظيمة الدالة على حقيقة ما أرسل به، وحجة واضحة بينة على صدقه في دعوته، وبطلان ما كان عليه من أرسل إليهم (هذا في الآية 23)، إلى فرعون ملك مصر وهامان وزيره، وقارون صاحب الاموال والكنوز، فأنكروا رسالته واستكبروا، وقالوا عنه: إنه ساحر كذَّاب، فكيف يزعم أنه أُرْسِلَ للناس رسولا؟ (في الآية 24)، فلما جاء موسى فرعونَ وهامان وقارون بالمعجزات الظاهرة من عندنا، لم يكتفوا بمعارضتها وإنكارها، بل قالوا: اقتلوا ابناء الذين آمنوا معه، واستبقوا نساءهم للخدمة والاسترقاق، وما تدبير أهل الكفر إلا في ذهاب وهلاك ( في الآية 25)، وقال فرعون لأشراف قومه، اتركوني أقتل موسى، وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فيمنعه منا، إني أخاف أن يبدّل دينكم الذي أنتم عليه، أو ان يُظْهر في أرض مصر الفساد ( في الآية 26)، وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت بربي وربكم- ايها القوم- من كل مستكبر عن توحيد الله وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه ( في الآية 27).

والصيغة الأخرى، للاستعاذة بالله تعالى، في سورة غافر، هي من شر الذين يخاصمون في آيات الله، بدون برهان منه سبحانه، وذلك في الآية (56): " إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " أي، كما في نفس التفسير الميسر: إن الذين يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشُّبَهِ الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، ليس في صدور هؤلاء إلا تكبّر عن الحق، حسدا منهم على الفضل الذي أتاه الله نبيّه، وكرامة النبوّة التي أكرمه بها، وهو أمر ليسوا بمدركيه ولا نائليه، فاعتصم بالله من شرهم، إنه هو السميع لأقوالهم، البصير بأفعالهم، وسيجازيهم عليها. وفي أسباب النزول للسيوطي: اخرج عن أبي العالية قال: جاءت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا الدجَّال، فقالوا: يكون منا في آخر الزمان فعظَّموا أمره وقالوا: يصنع كذا، فأنزل الله (الآية)، فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة الدجال. وفي تفسير الجلالين : " إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ " أي في القرآن، ولوحظ أن مما في الآية نزل في منكري البعث. وفي تفسير البغوي: قال أهل التفسير: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ان صاحبنا المسيح بن داود – يعنون الدجال- يخرج في آخر الزمان، فيبلغ سلطانه في البر والبحر، ويرد الملك إلينا، قال الله تعالى: "فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ " من فتنة الدجال، " إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "( وفي تفسير القرطبي، المراد بالذين يخاصمون في آيات الله، اليهود والنصارى). وجدير بالتذكير أنه للوقاية من فتنة الدجال لابد من الإيمان والتمسُّك بالإسلام حقا، ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءة فواتح الكهف على الدجال، وفي بعض الروايات خواتمها (وذلك بقراءة عشر آيات من اولها وآخرها). ومن الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وأحمد، عن أبي هريرة: " ليس بيني وبين عيسى عليه السلام نبيّ وإنه نازل"، ( فيقاتل الناس على الإسلام فيدقُّ الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه المِلَلَ كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال" وجدير كذلك بالتذكير أن في الصلاة وفي التشهد، مما يستعاذ بالله منه، فتنة المسيح الدجال: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال".

وفي سورة الدخان، استعاذة موسى بالله من أن يرجمه قوم فرعون، وكأنهم توعّدوه بالقتل فاستجار بالله سبحانه، وذلك في الآية 20 وهي، استكمالا للمعنى، امتداد مباشر للآيات الثلاث قبلها:" وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) أي: (قبل كفار قريش) امتحنَّاهم بإرسال موسى عليه السلام أو اوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم " وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ " على الله تعالى أو على المؤمنين أو في نفسه لأن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلا من سراة قومه وكِرامهم " أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ " أي بأن أدوا إلى بني اسرائيل وارسلوهم معي أو بأن ادوا إلي يا عباد الله حقه من الإيمان وقبول الدعوة "إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ" اي رسول غير ظنين قد ائتمنني الله تعالى على وحيه وصدَّقني بالمعجزات القاهرة " وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ " أي لا تتكبَّروا عليه تعالى بالاستهانة بوحيه وبرسوله، وقوله تعالى: " إِنِّي آَتِيكُمْ " اي من جهته تعالى "بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ " تعليل للنهي أي آتيكم بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها ( أو بعبارة أخرى، كما في تفسير الجلالين: ببرهان بيّن على رسالتي فتوعّدوه بالرجم فلجأ إلى الاستعاذة بالله أن يرجموه بالحجارة)، " وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ " أي التجأت إليه وتوكلت عليه " أَنْ تَرْجُمُونِ " من أن ترجموني أي تؤذوني ضربا أو شتما أو أن تقتلوني، قيل لما قال وأن لا تعلوا على الله توّعدوه بالقتل.

وعلى صعيد آخر، من الأحاديث كذلك ما يتضمن الاستعاذة بالله تعالى من شرور معينة . وهكذا، عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: " اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ والخبائث" (رواه الخمسة: البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي). وفي غاية المأمول للشيخ منصور، الخُبْثُ: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإناثهم، والقول في الحديث هو قول قبل دخول الخلاء. وفي شرح صحيح البخاري للعسقلاني، قول الخطابي وابن حبان وغيـــرهما: المراد فـــــي الحديـــــث، بالفعل، ذكران الشياطين وإناثهم، والخُبْثُ إن كان بمعنى المفرد، فهو كما قال بن الأعرابي، المكروه، والمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب. وفي شرح النووي على مسلم، أن جماعة من أهل المعرفة، منهم الإمام أبو عبيد، صرحوا أن الباء ساكنة في " الخُبْثِ" واختلفوا في معناه، فقيل هو الشر أو الكفر أو الشياطين، والخبائث المعاصي، كما أن الخبث في كلام العرب المكروه، وكما قال بن الاعرابي: فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإذا كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، والله أعلم.

ومن الوصفات الإلهية المباشرة، وهي متيسرة للمؤمنين الموقنين، وبإذن الله تعالى، تخلصا من الوجع واحترازا من الحزن المحتمل، ما فيه تسمية الله سبحانه، مقترنة بالاستعادة بما هو من صفاته الدالة عليها أسماؤه الحسنى: فقد روى مسلم وغيره ( والمعاني بين قوسين): عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعا يجده في جسده ( ويؤخذ منه، كما يلاحظ جمهور العلماء، ندب شكاية ما بالإنسان لمن يتبرّك به رجاء لبركة دعائه، خاصة وإذا كان هذا الإنسان معينا لمن يدعو له، وذلك بالإيمان الحق وما يقتضيه عملا ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضع يدك على الذي يألم من جسدك ( أي على الموضع الذي يوجع من جسدك)، وقل : بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله ( اي بغلبته وعظمته) وقدرته ( أي بحوله وقوته) من شر ما أجد ( أي من الوجع) وأحاذر" ( أي أخاف واحترز، وهو مبالغة احذر، وكما لاحظ الطيبي: تعوَّذ من وجع هو فيه ومما يتوقع حصوله في المستقبل من الحزن والخوف) قال ( اي عثمان) ففعلت، فاذهب الله ما كان بي.

وسئلت عائشة رضي الله عنها عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به الله، قالت : كان يقول : "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل". وفي هذا الحديث الذي رواه مسلم وابو داود قوله : " اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت " (اي، كما في شرح النووي على مسلم، من السيئات، أو من شر ما اكتسبته، مما يقتضي عقوبة في الدنيا أو في الآخرة، أو عمل يحتاج فيه إلى العفو، وهاته استعاذة من الذنوب الماضية)، وقوله : "ومن شر ما لم أعمل " (أي من شر تركي العمل بالحسنات، أو المراد من شر ما لم اعمله بعدُ من السيئات والآتام، بأن تحفظني منه في المستقبل، ومن كل عمل لا يرضيك، ويجلب غضبك ويجلب غضبك، وتضمّنت هاته الاستعاذة، الاستعاذة من الذنوب الحالية والمستقبلية).

وقال ابن عمر رضي الله عنه: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك" (رواه مسلم وابو داود).

وفي حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي، وأبو داود والنسائي وأحمد، عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضَلع الدّين وغلبة الرجال"، وكما في غاية المأمول للشيخ منصور، الهم = الاهتمام بالمستقبل حرصا عليه، والحَزَنُ = على الماضي، مما اصاب أو مما فات، وضَلَعِ الدَّين = كثرته ولم يجد له سدادا حتى أماله كالضلع المعوج، وغلبة الرجال= انتصار الأعداء.

وفي صحيح مسلم وغيره، عن زيد بن أرقم: " اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها"، وتزكية النفس كما يقول العلماء، تنمية القلوب وتطهيرها، ونفس لا تشبع تحيل على الحرص والطمع والشره والتعلق بالآمال البعيدة.

ومما رواه أصحاب السنن: " اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي ومن شر مَنِيّ" (وكما في غاية المأمول مرة أخرى، شر السمع: الاستماع لما لا يجوز شرعا، وشر البصر: النظر لما لا يجوز، وشر اللسان: التكلم بما لا يجوز، وشر القلب: العيوب الباطنة كالكِبْر والعجب والحقد والحسد وإضمار السوء ونحوها، وشر المنيّ: الزنا واللواط).

وللتذكير ما الاستعاذة بالله إلا من صيغ الدعاء. ومن الأحاديث التي فيها الاستعاذة وفي إطارٍ للدعاء بوجه عام، متضمّنٍ لما هو من جوامع الكلم، هناك ما روى أبو داود وابن ماجة ( والتفسير لدى العلماء مرة أخرى بين قوسين) : " اللهم إني أسألك العفو ( أي التجاوز عن الذنب، تفاديا للعقاب عليه) والعافية (السلامة من النقم والمحن) في ديني (وقاية من كل ما يخل به) ودنياي ( طلبا للأمان من كل ما فيه ضرر، من مصائب وبلايا وشدائد )، وأهلي (وقاية لهم من الفتن والمحن) ومالي (حفاظا مما يتلفه، من العوارض والأخطار) اللهم استر عوراتي ( أي عيوبي وتقصيري وكل ما يسوؤني كشفه، ومن ذلك الحفظ من انكشاف العورة) وآمن روعاتي ( تجنبا لي كل أمر هو مصدر خوف أو حزن أو قلق)، اللهم احفظني بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي (وفي هذا سؤال الله تعالى الحفظَ من الشرور والمهالك التي تعرض للإنسان من هاته الجهات، ومن ذلك الحفظ من الشيطان الذي كما في دعواه، في الآية 17، الأعراف: " ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)" أي وكما في التفسير الميسر/ نخبة من العلماء/ المدينة: ثم لآتيهم من جميع الجهات والجوانب، فأصدّهم عن الحق، وأحسِّن لهم الباطل، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة، ولا تجد أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك) "وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" (بفعل الزلازل والخسوفات وغيرها)

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث منه الاستعاذة كذلك وفي إطار عام، فيه مرة أخرى ما هو من جوامع الكلم، وقد أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية، والطبراني في الدعاء، وابن السني في عمل اليوم والليلة ( المعاني بين قوسين): " أسألك اللهم بخيرك من خيرك الذي لا يعطيه غيرك، عزَّ جارك ( أي قوي من استجار بك)، وجلّ ثناؤك ( أي عظم الثناء عليك) ولا إله غيرك، اجعلني في عياذك ( أي في ملجئك، معتصما بك، والعياذ بالله: أعوذ بالله ) من شر كل سلطان ( شر كل من له سيطرة وقوة ونفوذ) ومن الشيطان الرجيم (المرجوم، المطرود من الجنة ومن السماء) اللهم إني أحترس بك من شر جميع كل ذي شر خلقته ( أي أحتاط وأُطَمْإن نفسي بك منهم) واحترز بك منهم" ( اي أتوقى بك منهم).

و مزيدا في النهل من منابع السنة، هناك من الحديث (ومعانيه المأثورة والمؤكدة ، مرة أخرى بين قوسين) ما فيه كذلك الاستعاذة من شرور بعينها، وفي إطار دعاء منطلقه تمجيد الله تعالى والإقرار أنه لا إلاه غيره: " اللهم عالم الغيب والشهادة ( يا الله – صيغة نداء ودعاء حذف منها حرف النداء وعوُّض عنه بميم مشددة – عالم ما غاب عن الخلق وما شاهدوه، وما أعلنوا عنه وما أسرّوه، العالم بما سلف وبما هو حاضر وبما هو مستقبل)، فاطر السماوات والأرض ( أي خالقها على غير مثال سابق)، رب كل شيء ومليكه ( اي المتصرف فيه كيف يشاء، مالكا له، وحده لا شريك له)، أشهد أن لا إله أنت ( إقرارا بلساني وبقلبي أنه لا معبود بحق إلا أنت)، أعوذ بكل من شر نفسي ( الوذ بك من شرها لتجعلني أتفاداه، و "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي "، من الآية 53 يوسف)، ومن شر الشيطان وشركه ( شر ما يدفعني إليه، وشِرْكه ما يُصطاد به بنو آدم، وهو كالشرك الذي يصطاد به الحوت والطير وما شابه ذلك، فالشيطان يلح على الإنسان ليوقعه في الشهوات والشبهات وغيرها من الآثام)، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجرَّه إلى مسلم"( أي وأن أكتسب سوءا على نفسي أو أكون مُسبّبا لأن يكتسبه مسلم، بالحثّ عليه أو عدم النّهي عنه)، وهذا الحديث الذي صححه الألباني، رواه الترمذي وأبو داود.

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الغني Celui qui se passe de toute chose

( تالع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 88 ) الغني هذا الإسم ورد...

 
 
 
الجامع Le Rassembleur

( تابع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 87 ) الجامع والله سبحانه هو...

 
 
 
L’ Equitable

( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 86 ) L’Equitable Allah « L’Equitable «  signifie selon les Erudits...

 
 
 

تعليقات


ME SUIVRE

  • Facebook Social Icône

© 2020 par ahmed Sadik

bottom of page