النقلة النوعية و الاستشعار بالجزاء
- أحمد صديق

- 21 مارس 2021
- 15 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 26 مارس 2021
قال الله تعالى في سورة الملك : " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) " ، وهكذا، كما في تفسير الطبري، يعني بقوله تعالى ذكره: " تَبَارَكَ " تعاظم وتعالى " الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ " بيده ملك الدنيا والآخرة وسلطانهما، نافذ فيهما أمره وقضاؤه " وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " يقول: وهو على ما يشاء فعله ذو قدرة لا يمنعه من فعله مانع، ولا يحول بينه وبينه عجز، وقوله "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ " فأمات من شاء وما شاء، وأحيا من اراد وما أراد إلى أجل معلوم " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " يقول: ليختبركم فينظر ايكم له، أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع. وعن قتادة في قوله " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ " قال : أذل الله ابن آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء، " وَهُوَ الْعَزِيزُ " أي القوي الشديد انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره " الْغَفُورُ " ذنوب من أناب إليه وتاب من ذنوبه.
وفي سورة الأنبياء ، من الآية 35 : " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ " أي كل نفس منفوسة من خلق الله، معالجة غصص الموت ومتجرعة كأسها.
وفي سورة ق، الآية 19 : " وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ"،وفي قوله: " وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ" المعنى الأول: جاءت شدة وغلبة الموت على فهم الإنسان، كالسكرة من النوم أو الشراب، بالحق من أمر الآخرة، فتبيَّنه الإنسان حتى تثبته وعرفه. والمعنى الثاني في التأويل: وجاءت: سكرة الموت بحقيقة الموت، وقوله " ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ " : ما كنت تهرب منه، وعنه تروغ (وتفسير ما في الآيتين، كما قال الطبري).
وفي الحديث عن أبي هريرة: " أكثروا ذكر هادم اللذات" (أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم)، وكما يُقال، لألا ننسى أو نكون في غفلة في الدنيا وعن المآل الحق في الآخرة. وتأكيد ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل من لدن رجل من الأنصار، وعن عمر: فأي المؤمنين أكيس؟ قال : " أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولائك الأكياس" (أخرجه ابن ماجة في مسنده)، وعن شداد بن أوس : "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله" (أخرجه الترمذي في مسنده)، ودان نفسه، حسابها، وتمنى على الله (الاماني).
وإن الإنسان ليخاف الموت بقدر ظلمه وذنوبه، والدليل قوله تعالى في سورة الجمعة : "قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)" ، أي : ومن خلال تفسير الجلالين، إن صدقتم في زعمكم أنكم أولياء الله، والوالي يؤثر الآخرة ومبدؤها الموت، فتمنَّوهُ " وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ " من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ " الكافرين. ومن حديث أبي هريرة (متفق عليه): " ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني : " خير الناس من طال عمره وحسن عمله"، وطول العمر، كما يُذّكر بذلك العلماء هو بالطبع من الله تعالى ، وبإمكان الإنسان أن يحسن عمله بإذن الله تعالى، لأنه سبحانه، جعل له عقلا وأنزل الكتب وأرسل الرسل وبيَّن المحجَّة وأقام الحُجّة (ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين والقرآن الكريم مهيمن على ما سبقه من الكتب المنزلة)، وبيَّنت السنة أنه " ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البِرُّ" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم وحسنه الألباني) والمراد بالبر، كما يلاحظ العلماء، الإحسان إلى الوالدين وطاعتهما في المعروف وصلة الأرحام عموما. وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: " صلة الرحم وحسن الجوار يعمّران الديار ويزيدان في الأعمار" (صححه الألباني).
وعن أنس: " لا يَتَمَنَيَّنَّ أحدُكم الموت لضُرٍّ نزل به، فإن كان لابد متمنيّا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرا لي" (رواه السبعة إلا أبا داود)، وفي الحديث الذي رواه ابو داود : " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفَّني غير مفتون"
وتجدر الإشارة، من جهة أخرى، إلى دعاء يوسف الصديق عليه السلام، دعا ربه عز وجل، لما تمت النعمة عليه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك:
" رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)" (يوسف)، وهكذا، كما في التفاسير، سأل ربه عز وجل، كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه (قاله الضحاك) وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
ومن جهة أخرى كذلك ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: " اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى، اللهم في الرفيق الأعلى"، وروى البخاري أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنك لأحب إليَّ من نفسي، وأحب إليّ من ولدي، وأحب إليَّ من أهلي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك علمت أنك إذا دخلتَ الجنة كنت مع النبيين، وإذا دخلتُ الجنة خشيت أن لا أراك، فأنزل الله تعالى: " وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" (الآية 69 النساء)، وهاته الآية وكما يستنتج من شرح البخاري للحافظ بن حجر تُثبت أن في الرفيق الأعلى إشارة إلى النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، أو كما قال النّووي في شرح صحيح مسلم، الذي عليه الجمهور أن المراد بالرفيق الأعلى: الأنبياء الساكنون في أعلى عليّين، وقيل هو الله تعالى، الرفيق بعباده، من الرفق والرأفة. وأنكر الأزهري هذا القول، وقيل أراد مرتفق الجنة.
والملاحظ كذلك أنه عند الوفاة، ولا مفر منها، هناك " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ" (من الآية 32، النحل) و " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " (من الآية 28، نفس السورة). والصنف الأول كما يتبيَّن من سياق الآيات هم المتقون الموعودون بالجنة، أما الصنف الثاني فما هم إلا المشركون الكافرون:"إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34)" (النحل)، ومن خلال ما في تفسير البغوي: " قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ " جاحدة، " وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ " متعظمون (هذا مما في الآية 22).
" لَا جَرَمَ " حقا " أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ "، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبْر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" فقال رجل يا رسول الله إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا: قال : " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس" (هذا مما في تفسير الآية 23، ومثل الحديث ورد كذلك عن ابن مسعود وفي صحيح مسلم، وجمال الله تعالى، كما يقول العلماء، يحيل على كمالاته سبحانه، الدالة عليها أسماؤه الحسنى، أي المثلى، وجمال الإنسان أخلاقهُ، وسلوكهُ طريقَ الخير، وبطر الحق هو ردُّه وغمط الناس هو أن تبخسهم مكانتهم، وفي هذا نقيض التواضع.
وفي الآية 24: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ " يعني لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم مشركو مكة الذين اقتسموا عقابها إذا سأل منهم الحاج: " ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ " ، أحاديثهم واباطيلهم.
وفي الآية 25 " لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ " ذنوب أنفسهم " كَامِلَةً " وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا، " يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ "، بغير حجة فيصدونهم عن الإيمان، " أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ "، يحملون. وعن أبي هريرة الحديث : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" (أخرجه مسلم).
ومما في تفسير الآية 26 : " قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" وهو نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء، قال كعب ومقاتل: هبت ريح والقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ فتكلموا بثلاثة وسعبين لسانا، فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، فذلك قوله تعالى : " فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ " اي: قصد تخريب بنيانهم من أصولها " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ " يعني أعلى بيوتها " مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)" من مأمنهم.
ومما في تفسير الآية 27: " ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ " يهينهم بالعذاب ، " وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ " تخالفون المؤمنين فيهم، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟ " قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ " (وهم المؤمنون) " إِنَّ الْخِزْيَ "، الهوان " الْيَوْمَ وَالسُّوءَ "، أي العذاب " عَلَى الْكَافِرِينَ ".
والمعنى في الآية 28" الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ "، يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه، " ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " بالكفر ، ونصب على الحال اي: في حال كفرهم، " فَأَلْقَوُا السَّلَمَ " أي: استسلموا وانقادوا وقالوا: " مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ" شرك، فقال لهم الملائكة : " بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " قال عكرمة : عنى بذلك من قتل من الكفار ببدر.
وفي الآية 29 : " فَادْخُلُوا " أي قال لهم ادخلوا " أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ " عن الإيمان.
وفي الآية 30 " وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا " وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون : ساحر ، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون ولو لم تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث، فذلك قوله " وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا " ، يعني : أنزل خيرا، ثم ابتدأ فقال : " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ" كرامة، قال ابن عباس هي تضعيف الأجر إلى العشر، وقال الضحاك : هي النصر والفتح. وقال مجاهد: هي الرزق الحسن "وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ " أي ولدار الحال الآخرة " خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ " قال الحسن: هي الدنيا، لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة، وقال أكثر المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها (الآية 31).
ففي الآية 31: " جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ " (أي وكما في التفسير الميسر، نخبة من العلماء/ المدينة):جنات إقامة لهم، يستقرون فيها، لا يخرجون منها أبدا، تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لهم فيها كل ما تشتهيه أنفسهم، بمثل هذا الجزاء الطيب يجزي الله أهل خشيته وتقواه. وقال الله تعالى في سورة التوبة: " وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) "، ومما في تفسير القرطبي لهاته الآية : جنات عدْن=دار إقامة، من عدْن بالمكان إذا أقام فيه، ومنه المعدن، وقال عطاء الخرساني: جنات عدن = قصبة الجنة، وسقفها عرش الرحمان عز وجل، وقال ابن مسعود: هي بطنان الجنة، أي وسطها. وقال الحسن: هي قصر من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل، ونحوه عن الضحاك. وقال مقاتل والكلبي: عدن أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التنسيم - من أعالي الجنة، رفيعة القدر- والجنان حولها محفوفة بها، وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزِلها الأنبياء والصديقون والشهداء، والصالحون، ومن يشاء الله.
واستئنافا لعرض المعاني في الآيات قبله (من سورة النحل)، ومن خلال نفس التفسير للبغوي، في الآية 32: " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ " مؤمنين طاهرين من الشرك: قال مجاهد زاكية أفعالهم وأقوالهم. وقيل : معناه : إن وفاتهم تقع طيبة سهلة " يَقُولُونَ " يعني الملاكة لهم " سَلَامٌ عَلَيْكُمُ " وقيل: يبلغونهم سلام الله " ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ".
وفي الآية 33 : قال عز وجل " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ" لقبض أرواحهم " أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ " يعني يوم القيامة، وقيل العذاب " كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " أي: كفروا، " وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ " بتعذيبه إياهم " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ".
وفي الآية 34: " فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا " عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة " وَحَاقَ بِهِمْ " نزل بهم " و مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ".
ومن زاوية أخرى، إن الصنف " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ " إخوانهم مشار إليهم في قول الله تعالى: " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) " (الفجر) ، أي كمال قيل، وبإيجاز في تفسير الطبري : " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ " اي المؤمن المخبت والمطمئن إلى الله، وقيل ذلك قول الملك للعبد عند خروج نفسه مبشرة برضا ربه عنه وإعداده ما أعد له من الكرامة عنده، " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً " فيه كذلك إخبار الله تعالى عن قيل الملائكة لأوليائه يوم القيامة: يا ايتها النفس التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد أهل الإيمان به في الدنيا من الكرامة في الآخرة، فصدقت بذلك، وقيل (عن أبي صالح) :" ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً " عند الموت " فَادْخُلِي فِي عِبَادِي " يوم القيامة، أو كما قال اب أسامة بن زيد، النفس المطمئنة، بشرت بالجنة عند الموت، ويوم الجمع وعند البعث، وعن ابن عباس : قوله " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً " قال: ترد الارواح المطمئنة يوم القيامة إلى الأجساد." فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) " ، قال قتادة : ادخلي في عبادي الصالحين وادخلي جنتي.
وإن صنف " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " من على شَاكِلتهم، مشار إليهم في قول الله تعالى:" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) " (الأنعام) ، أي وبإيجاز من خلال تفسير القرطبي : قوله تعالى " وَمَنْ أَظْلَمُ " لا أحد أظلم " مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا " أي اختلق " أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ " فزعم أنه نبي " وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ " (كمسيلمة ومن على شاكلته)، ومن هذا النمط – بوجه عام- من أعرض عن الفقه وما كان عليه السلف من السُّنن: قائلا وقع في خاطري كذا أو أخبرني قلبي كذا، مدعين أنه تتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية. "وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ " أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ارتدَّ ولحق بالمشركين، وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في ( المؤمنون) : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)" دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله " ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ " (من الآية 14) عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وهكذا أنزلت علي" (من نفس الآية 14 : " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ") فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمدا صادقا، لقد أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فذلك قوله : " وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ "، رواه الكلبي عن ابن عباس. وذكره محمد ابن إسحاق عن شرحبيل، مضيفا أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه، وكان أخاه من الرضاعة، فغيَّبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له، فصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: "نعم "، فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما صمتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه"، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ فقال : " إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين"، قال ابو عمر: وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك. (ومما ذكر كذلك في نفس المصدر، تفسير القرطبي، أن عبد الله بن أبي سرح هذا ولاه عثمان مصر وفتح على يديه إفريقية، وغزا منها الاساود من أرض النوبة وعن الصواري من أرض الروم، وقبضت روحه بعد أن أنهى صلاة الصبح (بعد أن سلم يمينا ثم يسارا)، ومن جهة أخرى أورد القرطبي، وعن عكرمة أن (ما من) هذه الآية- " وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ "- نزلت في النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن (افتراء وتهكما)، وقوله تعالى : " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ " – كما مستأنف تفسيره لدى القرطبي-، معناه، شدائده، والغمرة الشدة، واصلها الشيء الذي يغمر الاشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم وضعت في معنى الشدائد والمكاره، ومنه غمرات الحرب " وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ " ابتداء وخبر، والأصل باسطون، قيل : بالعذاب ومطارق الحديد، عن الحسن والضحاك. وقيل : لقبيض ارواحه. وفي التنزيل: " وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " (من الآية 50، الأنفال) فجمعت القولين، يقال : بسط إليه يده بالمكروه " أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ" أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرها، لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تتنزع انتزاعا شديدا. وقيل هو بمنزلة قول القائل لمن يعذبه: لأذيقك العذاب ولأخرجن نفسك، وذلك لأنهم لا يخرجون أنفسهم بل يقبضها ملك الموت وأعوانه، وقيل: يقال هذا للكفار وهم في النار، والجواب محذوف لعِظم الأمر، أي ولو رأيت الظالمين في هذه الحال لرأيت عذابا عظيما، والهون والهوان سواء "الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ"، " تَسْتَكْبِرُونَ " اي تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته.
وبالإضافة إلى هاته الآية 93، هناك وفي نفس السورة (الأنعام)، ما فيه الإحالة، مرة أخرى، على من هم في عداد " الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ": " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ " (من الآية 157) أي: ومن خلال نفس التفسير (القرطبي)، فإن كذبتم " بِآَيَاتِ اللَّهِ " مجيء محمد صلى الله عليه وسلم، فلا أحد أظلم منكم (لعدم اتباعكم له ) "وَصَدَفَ عَنْهَا " أعرض عنها ، " سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ " . وفي الآية الموالية 158، استكمال المعنى: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ "، قوله تعالى " هَلْ يَنْظُرُونَ "، معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا، فما ينتظرون، " إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ " أي عند الموت لقبض أرواحهم. "أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ "، قال ابن عباس والضحاك: أمر ربك فيهم القتل أو غيره (أو عقوبة ربك وعذاب ربك)، ويقال هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله " أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ " قيل: هو طلوع الشمس من مغربها، بيَّن بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. وقيل: إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، كما قال تعالى: " وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا " (الآية 22، الفجر)، وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا، والذي عليه جمهور أئمة السنة أنهم يقولون: يجيء وينزل ويأتي ولا يكيفون لأنه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ " (من الآية 11، الشورى) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة:" ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ". وقال العلماء: إنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت، وفي الحديث: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما) أي ما لم تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس مغربها مثله.
ومزيدا في التذكرة والاتعاظ هناك أحاديث أخرى حول الموت، ومنها:
ما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فقال : " مستريح ومستراح منه" فقالوا : يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟ فقال: " العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"
وأخرج البخاري كذلك عن عبادة بن الصامت : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال : " ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بشِّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" .
وفي صحيح البخاري، مرة أخرى، ومن حديث قدسي: روي في صفة الاولياء : " وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته"، وأكد العلماء، منهم ابن تيمية والخطابي وابن عثيمين – رفعا لكل التباس في فهم الحديث- ما موجزه أن الله تعالى لا يوصف بالتردد فهو عليم بعاقبة الأمور وقضاؤه نافذ. والتردد في الحديث ليس من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن. ولهذا قال في نفس الحديث: يكره الموت وأكره إساءته ولابد له منه. وهذا لا يعني أن الله موصوف بالتردد في قدرته أو عمله بخلاف الآدمي، فالله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن حبان والبزار، عن أبي هريرة : " إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال : أيتها النفس المطمئنة أخرجي راضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليّين، وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال: أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن لها نشيشا ويطور، وعليها المسح ويذهب بها إلى سجّين" (ولهذا الحديث صيغة اخرى أخرجها النسائي وغيره، حيث ذكر في روح المؤمن: حين ينتهون بها إلى السماء العليا، وقال في روح الكافر: حيث ينتهون بها إلى الأرض السفلى).


تعليقات