القيامة،الحدث المباغث الرهيب
- أحمد صديق

- 6 يونيو 2021
- 11 دقيقة قراءة
من القرآن آيات حول سؤال الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن موعد القيامة، وبصيغ جاء في أعقابها الرد المفحم والجواب البيِّن، ومن ذلك (ومعاني الآيات كما في التفسير الوجيز للزحيلي، وأحيانا بين قوسين مما في تفسير الطبري):
في سورة الأعراف " يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)"
وهكذا، في الآية 187، يسألك اليهود أو قريش عن القيامة متى وقوعها ورسوها (تثبيتها)؟ قل إنما علمها عند الله لا يعلمها غيره، لا يظهرها لوقتها، إلا هو سبحانه وحده،، ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، فلا يتوصلون إليه، لا تأتيكم إلا فجأة. يسألونك أيها النبي كأنك مبالغ في السؤال عنها حتى تعلمها، قل لهم مؤكدا، إنما عملها خاص بالله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الله هو المختص بالعلم بها " نزلت حينما قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم" . وفي الآية 188: قل لهم أيها النبي مؤكدا عدم العلم بالقيامة: لا أملك لنفسي نفعا، ولا أقدر منع الضرر عني إلا بمشيئة الله وإلهامه وتوفيقه إياي، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من جلب الخير لنفسي، وتوقيت السوء، وما أصابني شيء من الشر، ما أنا إلا منذر من عصاني بالنار، ومبشر من أطاعني بالجنة، وهم المؤمنون بالله وحده، فليس من مهامي الإعلام بالغيب (قال أهل مكة، ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة، فنزلت هذه الآية).
وفي سورة السجدة "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) "
وهكذا، في الآية 28: ويقول المشركون للمؤمنين: متى يوم البعث الذي تهددونا وتعدوننا به إن كنتم صادقين في الوعيد به؟ (وفي تفسير الطبري: " مَتَى هَذَا الْفَتْحُ" معناه متى يجيئ هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب). وفي الآية 29: قل لهم أيها الرسول: يوم نزول العذاب بهم يوم القيامة، لا ينفع إيمان الكفار، إن آمنوا، ولا هم يُمْهَلون لتوبة أو اعتذار (قال قتادة: قال الصحابة: إن لنا يوما يوشك أن نستريح فيه وننعم، فقال المشركون: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، فنزلت). وفي الآية 30: فأعرض أيها الرسول عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بتكذيبهم، وانتظر يوم الفتح وتحقيق الوعيد بهلاكهم وهو يوم القيامة، إنهم منتظرون بك ما يريحهم منك من موت أو قتل أو غلبة عليك. وهذا قبل الأمر بقتالهم (وفي تفسير الطبري: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله، القائلين لك، متى هذا الفتح، المستعجليك بالعذاب، وانتظر ما الله صانع بهم: إنهم منتظرون ما تعدهم من العذاب ومجيء الساعة).
وفي سورة الملك" وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27)". وهكذا في الآية 25: ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والتهكم: متى هذا الحشر أو إيقاع العذاب الذي تهددوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون، فأخبرونا به. وفي الآية 26: قل أيها الرسول: إنما العلم بوقت حدوث الساعة عند الله، وإنما أنا محذِّر موضح غاية الإيضاح. وفي الآية27: فلما رأوا العذاب الموعود به قريبا، غَشي وجوهَ الكفار ما يسوءها واسودّت وعَلَتْها الكآبة، وقيل لهم، توبيخا من الخزنة: هذا هو العذاب الذي كنتم تطلبون استهزاء واستنكارا، وعُبر بفعل (رأى) الماضي من المستقبل لإفادة تحققه كأنه حصل فعلا. وزلفة: مصدر، ومعناه قريبا.
وفي سورة النازعات" يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)"، أي يسألونك (كفار مكة) أيها النبي عن القيامة متى وقوعها وقيامها، ومتى يوجدها الله؟ وسؤالهم استهزاء (أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ان مشركي مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: متى تقوم الساعة؟ استهزاء منهم، فأنزل الله الآية 42)، في أي شيء كنت يا محمد من ذكراها لهم؟ أي ليس عندك علمها حتى تذكرها لهم، إلى ربك منتهى علمها، لا يعلم وقتها غيره، إنما ينفع تحذيرك من يخافها ويخشى أهوالها،؟ أي إنما بعثت للإنذار بذلك، كأن هؤلاء المنكرين للقيامة يوم يشاهدونها لم يمكثوا في الدنيا إلا مقدار عشية يوم أو ضحاه.
وفي سورة الجاثية " وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) " أي وإذا قيل للكفار: إن وعد الله بالبعث والحساب واقع لا محالة، والقيامة لا ريب في وقوعها، قلتم : ما نعلم أي شيء هي الساعة (القيامة)؟ ما نظن وقوعها إلا ظنا، أي نتوهم توهما، وما نحن بمتيقنين أن الساعة آتية، وظهر لهم في الآخرة عقوبات ما عملوا في الدنيا، ونزل وأحاط بهم جزاء أعمالهم بدخولهم (النار التي استهزأوا بها في الدنيا).
ومن جهة أخرى هناك آيات وردت فيها أسماء للقيامة وبمفاهيم وفي سياقات مكملة، ومنها (بمعانيها، كما في نفس التفسير الوجيز للزحيلي):
ما في سورة النبأ: " يَوْمُ الْفَصْلِ " (من الآية 17) حيث يفصل فيه بحكم الله بين الخلائق و" الْيَوْمُ الْحَقُّ " (من الآية 39) أي ذلك اليوم الثابت وقوعه، و " يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا " (من الآية 40) أي يوم القيامة، يوم يرى المرء كل ما قدمه من خير أو شر، ويقول الكافر، يا ليتني أعود ترابا، فلا أعذب هذا العذاب.
وفي سورة التغابن " يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ " (من الآية 9) أي اذكر أيها النبي وكل مخاطب يوم يجمعكم الله ليوم القيامة الذي تجمع فيه الخلائق كلها من ملائكة، وانس وجن للحساب والجزاء، ذلك يوم التناسي والذهول من شدة الهول ، ويوم الندم والغبن حيث يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان.
وفي سورة الأنبياء " وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) " أي واقترب الموعود به الحق وهو يوم القيامة، فإذا هي مرتفعة الأجفان لما دهمهم، وهو شخوص أبصار الكفار، لا تكاد تنظر من شدة الهول، أو تتوقف أبصارهم عن الحركة، يا هلاكنا، قد كنا في الدنيا غافلين عن هذا اليوم، لم نستعد له، بل كنا ظالمين أنفسنا بتكذيب الرسل، وإنكار البعث أو الحساب، وعدم الطاعة. وفي نفس السورة (الأنبياء) " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) "أي واذكر أيها النبي يوم نطوي السماء كطي الصحيفة على ما يكتب فيها، كما بدأنا أول خلقهم من العدم في الدنيا، كذلك نعيدهم يوم القيامة، أي أن هذا الطي كائن لا محالة يوم إعادة الخلائق بالبعث خلقا جديدا، وعدناهم بذلك وعدا، علينا إنجازه والوفاء به، وهو الإعادة، إنا كنا فاعلين ما وعدناكم به حتما، وقادرين على ما نشاء.
وفي سورة ابراهيم " يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ " (من الآية 48) أي يوم (القيامة) تتبدل الأرض غير هذه الأرض وتتبدل السماوات غير السماوات (ومما في تفسير الطبري: الأرض، وعن ابن مسعود، تبدل أرضا بيضاء نقية كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة. وعن مجاهد أرضا كأنها الفضة والسماوات كذلك).
وفي سورة هود: " ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ " (من الآية 103) أي ذلك يوم القيامة يجمع له الناس للحساب والجزاء، وذلك يوم يشهده جميع الخلائق.
وفي سورة النجم " أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)" أي اقتربت الساعة أو القيامة، أو تحقق وقوعها وكان ذلك قريبا بالنسبة إلى ما مضى من الدنيا، ليس لها نفس أخرى تمنع قيامها.
وفي سورة القمر " يَوْمٌ عَسِرٌ " (من الآية 8) أي يوم صعب شديد الهول على الكفار. وهذا المفهوم يحيل على " الْغَاشِيَةِ " (من الآية 1، سورة الغاشية) أي القيامة التي تغشى الناس بشدائدها وأهوالها. والغاشية = الداهية.
وفي سورة غافر " رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)"، أي الله ربيع الصفات المنزه عن مشابهة المخلوقات، صاحب العرش ومالكه وخالقه، والمتصرف فيه، يلقي الوحي على من يشاء من عباده وسمي الوحي روحا، لأنه كالروح للجسد، يلقيه من قوله، يحذر ويخوف من يوم تلاقي الخلق مع الخالق، للحساب والجزاء (هذا في الآية 15)، يوم هم ظاهرون خارجون من قبورهم، لا يخفى على الله منهم شيء من أعمالهم في الدنيا، ويقول الله حينئذ: لمن الملك المطلق يوم القيامة.؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب الله سبحانه نفسه قائلا: لله الواحد الأحد القهار (وهذا في الآية 16)، اليوم تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر، لا ظلم لأحد اليوم بنقص ثواب أو زيادة عقاب، إن الله يحاسب جميع الناس سريعا، في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، لأن علمه محيط بكل شيء (وهذا في الآية 17)، وخَوِّفْهم وحَذِّرْهم أيها النبي يوم القيامة، وسمي بالأزفة لقربه، حين تصير القلوب خوفا عند الحناجر أي الحلوق، كناية عن شدة الخوف والضيق، ممتلئة قلوبهم غما وكربا، ما للكافرين من قريب أو صديق ينفعهم، ولا شافع يطاع في شفاعته لهم (وهذا في الآية 18).
وفي سورة النازعات: " وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)" أي أقسم بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا مؤلما، إغراقا في النزع من أجزاء الجسد (هذا في الآية 1)، والملائكة التي تُخرج أرواح المؤمنين برمق وسهولة (في الآية 2) والملائكة التي تَسْبَح (تنزل) من السماء مسرعة بأمر الله تعالى (في الآية 3) والملائكة التي تسبق بالأرواح إلى مستقرها سبقا فائق.
فالملائكة التي تنزل بتدبير ما امرت به في الدنيا (في الآيتين 4 و5)، يوم تضطرب الأرض والجبال وتتحرك، عند النفخة الأولى لموت جميع الخلق، والراجفة: الأرض عند زلزلتها (في الآية6)، تلحق بها السماء والكواكب في الاضطراب والتشقق. وقيل الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الثانية (في الآية 7)، هناك قلوب يوم القيامة خائفة شديدة الاضطراب والانزعاج بسبب أهوال القيامة (في الآية8)، أبصار أهلها ذليلة خاضعة عند معاينة الأهوال، وهم غير المؤمنين (في الآية 9)، يقول الكفار منكرو البعث: أنرد بعد الموت إلى الحياة؟ أئذا صرنا عظاما بالية سنرد ونبعث؟ (في الآيتين 10 و11) قال منكروا البعث: تلك الرجعة إلى الدنيا تعد إذن رجعة خاسرة خائبة (في الآية 12)، فإنما هي صيحة واحدة تنفخ في القرن، وهي النفخة الثانية لبعث الناس من القبور (في الآية 13)، فإذا كل الخلائق أحياء بأرض بيضاء، بعد أن كانوا أمواتا فيها. وقيل: الساهرة أرض بالشام (وفي تفسير البيضاوي، نموذجا آخر، الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم، عين ساهرة للتي يجري ماؤها وفي ضدها نائمة، أو لأن سالكها يسهر خوفا، وقيل اسم لجهنم). وفي نفس السورة (النازعات): " فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)" أي فإذا جاءت الداهية العظمى وهي القيامة يوم يتذكر الإنسان ما عمل في دنياه، من خير أو شر.
ومن جهة أخرى، من السورة التي تحمل اسم القيامة، (ومعاني الآيات من نفس التفسير الوجيز للزحيلي): " لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)"
وهكذا في الآية 1 (بعد البسملة) : لا زائدة، أي أقسم بيوم القيامة، والقسم به تعظيم وتفخيم له، والمراد تأكيد تحقق البعث، وفي الآية 2: وأقسم بالنفس التي تلوم صاحبها دائما على تقصيره في الطاعة، فهي يقظة دائما لنفعها في الآية3: أيظن الإنسان الكافر المنكر للبعث أن لن نجمع عظامه مرة أخرى بعد صيرورتها رفاتا بالية، وفي الآية 4: بلى نجمعها حال كوننا قادرين على جمع ما دقّ منها، وإعادة اصابعه وبصماتها وعظامها كما كانت (قال عدي بن ربيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون أمره، فأخبره الرسول، فقال لو عاينتُ ذلك اليوم لم أصدقك ولم أومن به، أوَ يجمع الله هذه العظام بعد بلاها.؟ فنزلت هذه الآية وما بعدها). وفي الآية 5: بل يريد الإنسان أن يدوم على فجره في مستقبل الزمان، ويكذب بالبعث في الآخرة (وفي زبدة التفسير /د.محمد سليمان بن عبد الله الاشقر : " بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ " أن يقدم فجوره فيما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة، يريد أن يَفْجُر ما امتد عمره ولا يذكر الموت) وفي الآية 6: يسأل استهزاء متى يكون يوم القيامة؟ وفي الآيتين 7 و 8: وإذا دُهش البصر وتحيَّر وزاغ البصر لِمَا رأى ما كان يكذبه، وأظلم القمر وذهب ضوؤه، وفي الآية 9: وذهب ضوء الشمس والقمر معا يوم القيامة، فلا يتعاقب الليل والنهار، وفي الآية 10: يقول الإنسان الكافر المكذب بالبعث: اين الفرار؟ وفي الآيتين 11 و12: "كلا ": للردع عن طلب الفرار، لا ملجأ يتحَصَّن به، إلى ربك يوم القيامة المرجع والمصير الدائم، وفي الآية 13: يُخْبَر الإنسان يوم القيامة بما قدم من عمل حسن أو سيء، وبما ترك من أثر يعمل به بعد موته (وللتذكير، في الحديث: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم عن أبي هريرة) وفي الآيتين 14 و15: بل الإنسان شاهد على نفسه، يعرف حقيقة ما هو عليه من إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وبصيرة: حجة واضحة ناطقة بعمله: ولو جاء بكل ما يعتدر به، لأنه كاذب.
ومن نفس السورة (القيامة) آيات (ومعانيها من نفس التفسير الوجيز للزحيلي) مكَمِّلة، في طياتها الإنذار للكافر والبشرى للمؤمن، وهما في إقبال على " وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ " (الآية 2، البروج) = " يَوْمٌ مَشْهُودٌ " (الآية 103، هود) أي القيامة: "كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)"
وهكذا، في الآية 20: " كَلَّا ": لردع الإنسان عن الاغترار بالدنيا، بل تحبون أيها الكفار وتختارون الدنيا ومتاعها الفاني. وفي الآية 21: وتتركون العمل للآخرة والاستعداد لها، وفي الآية 22: وجوه المؤمنين يوم القيامة مضيئة مشرقة سرورا، متهللة بِشرا بالنعيم. وفي الآية 23: ناظرة رائية عيانا إلى ربها بلا حجاب ولا حصر ولا إحاطة، تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة (ومنها ما رواه مسلم، عن صهيب:
" إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم فيقلون الم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال: فيُكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل"
وفي الآيتين 24 و 25: ووجوه يوم القيامة قبيحة المنظر، شديدة العبوس، كئيبة، توقن أن يفعل بها داهية عظيمة تكسر الفقرات، وفي الآيتين 26 و 27: " كَلَّا " لزجر الكافر عن تفضيل الدنيا على الآخرة، إذا بلغت الروح العظام المحيطة بالنحر في العنق، وقيل لمن حضر حوله: من يرقيه وينجيه ليشفى؟ وفي الآية 28: وتيقن المحتضر أنها ساعة الفراق من الدنيا. وفي الآية 29: والْتَوَتْ إحدى ساقيه على الأخرى عند الموت، فيعجز عن تحركيها، والمراد عند وضعه في كفنه. وفي الآية 30: إلى حكم ربك يوم القيامة المرجع. وفي الآيتين 31 و 32: فلا صدق الإنسان بما يجب عليه التصديق به، ولم يؤد صلاته المفروضة، ولكن كذب بالقرآن والرسول وأعرض عنهما، وفي الآية33: ثم ذهب إلى أهله يتبخر ويختال في مشيئته إعجابا وافتخارا بذلك. وفي الآيتين 34 و35: الويل والهلاك لك، ثم الويل والهلاك، وهذا تأكيد للجملة الأولى، وهو دعاء عليه للتحذير من فعله، والجملة الثانية تفيد تكرار ذلك عليك مرة بعد مرة ( قال أبو جهل: باي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا في شيئا، وغني لأعز أهل هذا الوادي، فلما كان يوم بدر قتل)، وفي الآيتين 36 و37: أيظن الإنسان أن يترك مهملا لا يكلف بالشرائع ولا يحاسب؟ ألم يكن نطفة من مني يراق في الرحم؟ وفي الآية 38: ثم صار قطعة دم جامد. فأوجد الله منه بشرا كامل التركيب فعد له الله وأكمل نشأته وتسوية الرجل والمرأة. أليس ذلك الفعال لهذه الاشياء، المنشئ لها بقادر على إحياء الموتى من بعد مماتهم؟ فإن الإعادة أهون من الابتداء (بلى أنه على كل شيء قدير) وهذا القول مطلوب في السنة النبوية (أي عند قول الإمام " أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى " قول المأموم " بلى إنه على كل شيء قدير" وما أشبه ذلك، ويستحب كذلك نفس القول للمأموم عند قراءة الإمام " أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ " الآية 8، سورة التين.


تعليقات