الفرز بين دار التكليف ودار الجزاء.
- أحمد صديق

- 15 أبريل 2021
- 9 دقيقة قراءة
الموّحدون دنياهم لا تجعلهم في غفلة عن آخرتهم، وهم يعلمون أن مما قال الله تعالى في دار الجزاء والخلود (الآخرة) ودار العبور والتكليف والاختبار (الدنيا) (والمعاني للآيات من خلال تفسير القرطبي):
"وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)" (القصص)، "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ " أي أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة، وهي الجنة، فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي، " وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا " أي أن نصيب الإنسان عمره وعمله الصالح فيها، كما قال ابن عباس والجمهور، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه لا تضيّع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك، وقال مالك: وهو الأكل والشرب بلا سرف، " وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ " أي أطع الله وأعبده كما أنعم عليك، وقيل هو أمر بصلة المساكين، قال ابن العربي:فيه أقوال كثيرة مؤداها استعمال نعم الله في طاعة الله، " وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ " أي لا تعمل بالمعاصي.
وفي سورة لقمان (من الآية 33) وسورة فاطر (من الآية 5)، " إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ "، " إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ " أي البعث، " فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ " أي تخدعنكم " الْحَيَاةُ الدُّنْيَا " بزينتها وما تدعو إليه فتتكلوا عليها وتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة، " وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ " وهو الشيطان في قول مجاهد وغيره، وهو الذي يغر الخلق ويمنّيهم الدنيا ويلهيهم عن الآخرة.
وفي سورة العنكبوت" وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) " " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ "، أي شيء يُلهى به ويُلعب من مال وجاه وملبس زائد على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات،" وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ" أي دار الحياة الباقية التي تزول ولا موت فيها (والحيوان يقع على كل شيء حيّ، وقيل كذلك: وحيوان، عين في الجنة.
وفي حديث رواه أحمد والترمذي ومسلم: " ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدُكم أصبعَه في اليمّ، فلينظر بما ترجع" والمعنى كما يقول المفسرون أن الآخرة وبخلاف الدنيا لا نهاية لها، فهناك فناء الدنيا ودوام الآخرة بنعيمها.
وفي حديث أخرجه الترمذي وصححه الألباني: " من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له" وفي (تحفة الأحوذي، شرح جامع الترمذي) للمباركفوري: معنى " جعل الله غناه في قلبه" أي جعله قانعا بالكفاف والكفاية كي لا يتعب في طلب الزيادة، ومعنى " وأتته الدنيا" أي ما قُدّر وقٌسّم له منها، " وهي راغمة" أي ذليلة حقيرة تابعة له لا يحتاج في طلبها إلى سعي بل تأتيه هينة لينة على رغم أنفها وأنف أربابها و" جعل الله فقره بين عينيه" اي الاحتياج إلى الخلق كالأمر المحسوم منصوبا بين عينيه.
ومن الآية (200) سورة البقرة: " فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ "، " فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا" ومن خلال نفس التفسير للقرطبي،المراد المشركون، قال ابو وائل والسدي وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم، ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا، وعلى هذا ف " مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ " أي كخلاق الذي يسأل الآخرة، والخلاق: النصيب، وفي الآية بعدها (201): " وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " أي من الناس، وهم المسلمون يطلبون خير الدنيا وخير الآخرة. وتأويل الحسنتين الذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بهما نعم الدنيا والآخرة، " وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ": ( أي وكما قيل في تفسير ابن كثير: النجاة من النار، باجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام)، واستئنافا لما في تفسير القرطبي، قال قتادة: حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال. وقال الحسن: حسنة الدنيا العلم والعبادة، وقيل غير ذلك، وحسنة الآخرة: الجنة بإجماع، وقوله تعالى: " وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، والمراد الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة، ويحتمل أن يكون دعاء مؤكد الطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين، وهذه الآية 201 من جوامح الدعاء التي عمت الدنيا والأخرة.
وفي الصحيحين عن أنس قال : كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وفي الحديث كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت وهو يقول :" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت، فقال حدثني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وُكّل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالو آمين" الحديث خرجه ابن ماجة في السنن.
ومزيدا في التبصرة والتذكير، هناك آيات وأحاديث أخرى فيها الحث على الوعي المستدام بوجوب الفرز بين الدارين: الدنيا والآخرة. ومن هذه الآيات مع معانيها و ما تثيره من خواطر، وكما في التفسير الوسيط للزحيلي: " زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( من الآية 212 البقرة). وفي هذا الإرشاد إلى أن سبب عدم اتباع أحكام الدين هو الحرص على الدنيا ومحبتها، وتحسينها في أعين الكفار، والافتتان بها، والاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم، مع أن للمؤمنين الدرجة العالية يوم القيامة، وهم فوق الكفار في الدرجة والقدر،، إذ هم في أعلى عليّين، والكفار في أسفل السافلين.
وفي الآية 185 آل عمران: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ". وفي هذا وعظ للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته في شأن الدنيا وأهلها، ووعد كريم في الآخرة، فبالتفكر في الموت تهون الأمور، ولا يعبأ أحد بما يلقاه في الدنيا في مصاعب ومشكلات ومؤذيات، فكل إنسان إلى الموت سائر، فمن كان مسيئا لنفسه ودينه وأمته فإساءته محددة موقوتة، لا داعي للتضجر منها ولا التألم، وسيجازى عليها جزاء أوفى ، ومن كان مؤمنا عاملا الخير، يوفّى جزاءه وحقه كاملا غير منقوص يوم القيامة، ومن نُحِّيَ عن النار وأدخل الجنة فقد فاز فوزا عظيما، لأن روحه سمت وغلبت صفاته الطيبة على نوازعه الشريرة، واتجه بعمله لإرضاء الله سبحانه. وما حياتنا الدنيا التي نحياها ونشغلها بالماديات كالطعام والشراب، أو بالمعنويات كالجاه والمنصب إلا أوضاع زائلة نتمتع وننتفع بها، ثم تزول بسرعة، والمفتون بالدنيا ومظاهرها مغرور مخدوع دائما، لأن الحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال هي متاع قليل، تخدع المرء وتمنّيه بالأباطيل، فالواجب على العاقل ألا يغترّ بالدنيا وألا يسرف في حبّها، وإلا أصابه شررها عند فراقها، إنما الدنيا جسر للآخرة، فمن أحسن العبور بالعمل الطيب لنفسه ولأمته، فقد أصاب الهدف وكان متعقلا واعيا.
وفي الآية 24 يونس: " إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ". و"زُخْرُفَهَا": نضارتها بالنباتات، و " حَصِيدًا " : كالنبات المحصود، و "لَمْ تَغْنَ " : لم تمكث زروعها. وهذه الآية العظيمة تصوير للحياة والفناء العاجل، وقد تكرر هذا التشبيه أو التمثيل في القرآن الكريم في مناسبات عديدة، مثل قوله تعالى في الآية 20 الحديد :"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ". و " غَيْث " : مطر، و " الْكُفَّار ": الزراع، و " يَهِيجُ ": يتحرك وينمو، و"حُطَامًا ": هشيما متكسِّرا من اليبس، و " مَتَاعُ الْغُرُورِ ": تمتع الخديعة لمن أقبل عليها ونسي الآخرة.
واستنادا إلى الآية 24 يونس أولا، في نفس التفسير الوسيط للزحيلي، المثل كما يبدو فيه: إنما مثل التفاخر في الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين، ثم أيلولتها إلى الفناء السريع، كمطر نزل من السماء، فاختلط بالتراب والنبات، فأنبت نباتات شتى، تشابكت واختلط بعضها ببعض، منها ما يأكله الناس من زروع وحبوب وثمار، ومنها ما تأكله الأنعام من علف ومراع وغير ذلك، حتى إذا تكامل نمو النبات وازدهر، وأخذت الأرض حسنها وزينتها الفانية، وتزينت بأبهى أنواع الزينة، واكتست الجبال والوديان والسهول بالأشجار الباسقة، والأزهار النضرة، والحبوب والثمار اليانعة، مما يأكل الناس من الزروع والأشجار، ونحو ذلك من المراعي والأعلاف، وازّيّنت أي ظهرت زينتها، وأيقن أهلها الذين زروعها وأغرسوها أنهم قادرون على جُذاذها – قطعها – وحصادها والانتفاع بها. وبينما هم كذلك، مفتونون بحسن النبات والثَّمَرِ والزهر، جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فيبست أوراقها وتلفت ثمارها، ونزل بها القضاء المقدر لهلاكها ليلا أو نهارا، فجعلها الله تعالى كالأرض المحصودة، لا خضرة ولا نضرة فيها، كأن لم تنبت، وكأنها لم تكن في حال حياة قبل ذلك، وهذا معنى قوله تعالى : " كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ " أي كأن لم تنعم ولم تنظر ولم تُغْرِ بغضارتها، وفي تفسير أُبي بن كعب: وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها، ثم ختم الله تعالى هذا المثل الرائع بقوله : " كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " أي كهذا المثل المبين الذي يوضح حال الدنيا وسرعة زوالها، نبين الحجج والأدلة الدالة على إثبات التوحيد والجزاء وكل ما فيه صلاح الناس في معاشهم ومعادهم، لقوم يتفكرون في آيات الله أي يستعملون تفكيرهم وعقولهم في الاتعاظ والاعتبار بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها زوالا سريعا، مع اغترارهم بها، وتمكنهم من خيراتها، علما بأن من طبع الدنيا الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها. والغرض الواضح من هذه الآية التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرضة للتلف والزوال بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص المتفكرين بالذكر، تشريفا للمنزلة، وليقع التسابق إلى هذه الرتبة، فجدير بكل عاقل ألا يغتر بالدنيا، فإنها غرّارة زائلة، وليبادر إلى اغتنام أيام عمره فيها، فيعمل العمل الصالح، ويصحح العقيدة، ويؤمن بالله حق الإيمان، وينفع نفسه وأمته ووطنه، ويخلّد سمعة طيبة إما بكلمة طيبة او بخير يفعله، أو منع من شر يدمر حياته وحياة غيره.
وعلى أساس ما في الآية 20 الحديد ثانيا، في التفسير الوسيط للزحيلي مرة أخرى، وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضَعَةِ منزلتها، والتعريف بحقيقة الآخرة ورفعة مكانتها للمؤمنين العاملين، وشدة عذابها للأشقياء الضَّالين، اعلموا أيها الناس جميعا أن الحياة الدنيا مجرد لعب ليس فيها جِدٌّ يدوم، ولهو يتلهى به ثم يزول، وزينة يُتزين بها مؤقتا ثم يذهب، ومفخرة يتفاخر بها، وتكاثر في الأموال والأولاد، تم ينتهي من غير أثر. والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الاشغال والتصرفات والأفكار المختصة بالدنيا، المجردة عن أي عمل صالح للآخرة، واللعب واللهو شيء واحد، أو أن اللعب: ما لا فائدة فيه، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه، والزينة: التحسين الخارج عن ذات الشيء، والتفاخر: التباهي بالأنساب والأموال وغيرها، والتكاثر : هو الرغبة في الدنيا ومظاهرها وألوانها وعُدَدِهَا، ليعتز بها الكاثر على من دونه. والدنيا بهذه الأوصاف سبب البعد عن الدين، فهي التي يؤثرها ضعفاء النفوس والعقول على الآخرة، وحبها رأس كل خطيئة، وهي مركب الشيطان، وسبب قسوة القلب، وضعف الذِّمة وقلة التقوى، وكل ما فيها عرض زائل يخدع السُّذج والبسطاء، وما هي إلا كمثل مطر، أعجب الزُّراعَ النباتُ الحاصل به، ثم يجفُّ وييبس بعد خضرته، ثم يصير فتاتا هشيما متكسرا بعد يبسه، تعصف به الرياح. والكفار هنا: الزُّرَّاع، لأنهم يكفرون، أي يسترون البذر في الأرض. ثم حذَّر القرآن من أمر الدنيا، ومن مخاطر ومهالك العذاب في الآخرة، ورغَّب في الاستعداد للظفر بالجنة والمغفرة والرضوان، فليس في الآخرة إلا أمران: إما عذاب شديد لأعداء الله والرسل، وإما مغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وما الحياة الدنيا إلا مجرد متاع يتمتع به، وخديعة لمن يغتر بها، ولم يعمل لآخرته، وقوله تعالى " مَتَاعُ الْغُرُورِ " معناه الشيء الذي لا يُعَظِّم الاستمتاعَ به إلا مغترٌّ.
ومما في السنة ما يدعو إلى تأكيد الفرز بين دار التكليف ودار الجزاء، ترجيحا لكفة القصد والعفاف على كفة اشباع رغبات الدَّعة والاستهلاك في الدنيا وإعدادا العدة للفوز بالنعيم الحق المقيم في الآخرة. وهكذا على سبيل المثال، ما في رواية الترمذي في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قلَّما كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: " اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما يبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا"، ومن حيث التفسير من خلال تحفة الأحوذي للمباركفوري، المصيبة في الدين: الابتلاء في المعاصي كأكل الحرام واعتقاد السوء أو الابتلاء بما هو أعظم من ذلك كالشرك والكفر والنفاق، " ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا" أي: لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا وهمنا، بل اجعل أكبر قصدنا مصروفا في عمل الآخرة، ولا تجعلنا حيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا، بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة، والمَبْلغُ: الغاية التي يبلغها الماشي والمحاسب فيقف عنده.
وروي، كما أخرج الترمذي وغيره، حديث آخر، صححه الألباني (والشرح بين قوسين، من نفس المصدر للمباركفوري): "نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام ( اي من النوم) وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء ( اي فراشا) فقال : " مالي وما للدنيا (أي ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا ولا للدنيا ألفة ومحبة معي، حتى أرغب إليها، وانبسط عليها وأجمع ما فيها ولذتها، إني طالب الآخرة وهي ضرتها المضادة لها) ما أنا في الدنيا إلا كراكب أستظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (وجه التشبيه هنا سرعة الرحيل وقلة المكث ومن ثم خص الراكب).
وهناك كذلك، عن أبي هريرة ما أخرج الترمذي وابن ماجة وحسنه الألباني، ما من لفظه: "الدنيا ملعونةٌ معلونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم"، والمعنى العام كما، مرة أخرى، لدى المباركفوري، أن الدنيا مبغوضة من الله لكونها مُبْعِدة عنه سبحانه وتعالى، وملعون فيها مَا يشغل عنه تعالى، إلا ذكر الله وما أحبه الله من أعمال، وهذا ما يحبه فيها، والمراد بما يوالي ذكر الله تعالى طاعته، وقيل : الدنيا مذمومة لا يحمد ما فيها إلا ذكر الله وعالم ومتعلم، وهي ملعونة لأنها غرّت النفوس بزهرتها ولذتها فأمالتها عن العبودية إلى الهوى، كما قيل إن اللعن وقع على ما غر من الدنيا لا على نعيمها ولذتها، والعلم النافع لا يشغل بالطبع عن الله تعالى، فهو علم دال على الله وعلى معرفته، وكما قيل في جامع العلوم والحكم. ومما قيل كذلك، في فيض القدير، هناك فضل العالم والمتعلم، والمعنى بالعالم والمتعلم، العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل.


تعليقات