الثنائية القطبية:المطيعون الله و رسوله ، على طرفي نقيض من أتباع الشيطان و جنوده
- أحمد صديق

- 27 يونيو 2021
- 14 دقيقة قراءة
من الآيتين 56 المائدة و 22 المجادلة : " حِزْبَ اللَّهِ "، وما هو، كما يستنتج من التفاسير، إلا المطيعين الله ورسوله. ومن الآيتين 19 المجادلة و 6 فاطر: " حِزْبُ الشَّيْطَانِ " أي: أتباعه وجنوده. وبعبارة أخرى، إلى القطب الإلهي ينتمي الموحّدون المسلمون، وهم حارصون على الألفة والإئتلاف والأخذ بما أمر الله به والعدول عما نهى عنه. أما القطب الشيطاني، فالمنتسبون إليه ضالّون ومضلّون ومغضوب عليهم، وهمهم التفرقة والوسوسة للراغبين في التقوى والاستقامة وللفاعلين الخيرات.
وكما يقول العلماء، " اللَّهِ " عَلَمٌ على الذات العلية، الجامعة لصفات الكمال، الدالة عليها أسماؤه الحسنى، وفي طليعتها الله جل جلاله: إنه سبحانه وحده الأهل للتقديس والعبادة . وفي سورة الأعراف، الآية 80 : " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "، وهكذا في التفسير (وللسعدي، نموذجا): من تمام كون أسمائه " حسنى" أنه لا يدعي إلا بها ، دعاء العبادة ودعاء المسألة. وحقيقة الإلحاد في أسمائه الميل بها عما جعلت له، كنفي معانيها أو تحريفها أو أن يشبَّه بها غيره (أو كتسمية المشركين بها لآلهتهم، كما اشتقوا اللاَّت من الله والعُزَّة من العزيز ومَناة من المنَّان)، وليحذر الملحدون في أسماء الله الحسنى، فلهم جزاؤهم عند ربهم، عقوبة وعذابا. ولفظ "الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " ورد كذلك في سورة الإسراء (من الآية 110) وطه ( من الآية 8) والحشر ( من الآية 24).
وأسماء الله الحسنى عرَّف بها الحديث المتّفق عليه ( عن أبي هريرة): " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، وهي:
(1)هو الله الذي لا إله إلا هو (2) الرحمن (3) الرحيم (4) الملك (5) القدوس (6) السلام (7) المؤمن (8) المهيمن (9) العزيز (10) الجبار (11) المتكبر (12) الخالق (13) البارئ(14) المصور (15) الغفار (16) القهار (17) الوهاب (18) الرزاق (19)الفتاح (20) العليم (21) القابض (22) الباسط (23) الخافض (24) الرافع (25) المعز (26) المذل (27) السميع (28) البصير (29) الحَكَمُ (30) العدل(31) اللطيف (32) الخبير (33) الحليم (34) العظيم (35) الغفور (36) الشكور (37) العلي (38) الكبير (39) الحفيظ (40) المقيت (41) الحسيب (42) الجليل (43) الكريم (44) الرقيب (45) المجيب (46) الواسع (47) الحكيم (48) الودود (49) المجيد (50) الباعث (51) الشهيد (52) الحق (53) الوكيل (54) القوي (55) المتين (56) الولي (57) الحميد (58) المحصي (59) المبدئ (60) المعيد (61) المحيي (62) المميت(63) الحي (64) القيوم (65)الواجد (66)الماجد (67)الواحد (68) الصمد ( 69) القادر (70) المقتدر (71)المقدٍّم (72) المؤَّخِر (73) الأول (74) الآخِر (75) الظاهر (76) الباطن (77)الوالي (78) المتعالي (79) البرُّ (80) التوَّاب (81) المنتقم (82) العفوُّ (83) الرؤوف (84) مالك الملك (85) ذو الجلال والإكرام (86) المقسط (87) الجامع ( 88)الغنيُّ (89)المُغْني (90) المانع (91) الضار (92) النافع (93) النور (94) الهادي (95) البديع (96) الباقي(97) الوارث (98) الرشيد (99) الصبور.
وجدير بالتذكير ومن خلال السنة كذلك، أن هناك من الاسماء الحسنى ما لا علم لنا بها، إلا ما شاء الله تعالى. ومرجع ذلك إلى ما يتضمنه الدعاء بالفرج من الهم أو الحزن، والذي أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم (عن ابن مسعود، وكما رواه أحمد والحاكم وصححه، وابن حبان في صحيحه، والبزار في سنده): " اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ماض فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني وذهاب همي".
ومن جهة أخرى، لفظ " الشَّيْطَانِ " معناه: كل متمرِّد شرّير مفسد، وما " إِبْلِيس" - من الآيات 34 البقرة و 11 الاعراف و 31/32 الحجر و 61 الإسراء و 50 الكهف و 116 طه و 95 الشعراء و 20 سبأ و 74/75 ص- إلاَّ رأس الشياطين، كبيرهم. و"جُنُودُ إِبْلِيس" ( من الآية 95 الشعراء)، أعوانه وأولياؤه وأنصاره، " وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ( من الآيتين 4 و 7 الفتح) أي أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه ( وهذا كما في تفسير الطبري) أو ينصر بهم عباده المؤمنين ( كما في التفسير الميسر/ نخبة من العلماء/ المدينة)، وهاته الجنود الربانية، كما يستنتج من قول جمهور المفسرين، هي الملائكة وكل قوة في الوجود، مسخرة من الله تعالى. و " الشَّيْطَان الرَّجِيمِ" ( من الآيتين 36 آل عمران و 98 النحل) و " شَّيْطَان رَّجِيم " ( من الآيتين 17 الحجر و25 التكوير)، أي مرجوم، وهذا نعت دال على صفتين اثنتين: فالشيطان مرجوم = مطرود من الجنة، كما في آيات، منها الآية 34 الحجر: " قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ "، والشيطان كذلك مرجوم= مطرود من السماء كما في آيات أخرى، منها الآية 17 ( نفس السورة): "وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ". والشيطان، في عتوِّه وبتجرُّده من الخير وصف كذلك في كتاب الله تعالى بكونه " مَرِيدًا " ( من الآية 117 النساء) كما وصف ب " مَرِيدٍ" (من الآية 3 الحج) أي خبيث متمرد شرير، هذا بالإضافة، كما هو مبيّن كذلك في التفاسير، إلى أنه غير مشمول برحمة الله تعالى، بل هو مبعد على سبيل السّخط ( وهذا معنى: ملعون) : "وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ " ( الآية 35 الحجر)، " وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ " ( الآية 78 ص). والشيطان مشار إليه، بالإضافة مرة أخرى لما سلف، بأنه " الْغَرُورُ " ( من الآيات 33 لقمان و 5 فاطر و 14 الحديد) أي المُخادع ( أو كما في التفاسير كذلك: ما يغرُّ وما يخدِع من شيطان)، وباعتباره مرتبطا " بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ " ( من الآية 51 النساء)، ومما في التفسير الوجيز للزحيلي نموذجا، بوجه عام الجِبْتُ هو كل من خضع له الناس من دون الله من شيطان أو ساحر أو كاهن، والطاغوت هو كل معبود من دون الله وهو راضٍ (وهما في التفاسير بوجه أعم كل معبود ومطاع من دون الله، وهما بصفة خاصة صنمان كانا لقريش).
ومن زاوية أخرى، ذكر الله تعالى " شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " في سورة الأنعام : "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)" أي، ومن خلال ما في تفسير ابن كثير: كما جعلنا لك يا محمد، أعداء يخالفونك، ويعادونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضا أعداء، فلا يهيدَنَّكَ ذلك، وذكره: " شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " بدل من " عَدُوًّا " أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبَّحهم الله ولعنهم. وعن قتادة في قوله تعالى: " شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. وروي عن أبي ذر، حديث، من طرقه قوله: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس. قال، فقال: " يا ابا ذر، هل صليت؟" قال: لا يا رسول الله. قال : " قم فاركع ركعتين" قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال : " يا أبا ذر، هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الجن والإنس؟". قال : قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال : " نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا فيه انقطاع، وروي متصلا كما قال الإمام أحمد، ومجموع طرق الحديث – كما يضيف ابن كثير- يفيد قوته وصحته. وعن سعيد بن مسروق، عن عكرمة : " شَيَاطِين الْإِنْسِ وَالْجِنِّ" قال: ليس في الإنس شياطين، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وعن السدي، عن عكرمة في قوله: "يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا " قال: للإنسي شيطان، وللجنّي شيطان، فيَلْقى شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وعن ابن عباس من رواية الضحاك، عنه قال: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم، قال : فيلتقي شياطين الإنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا: أَضْلِله بكذا، أضلله بكذا، فهو قوله: " يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا". وقال ابن جُرَيْج: قال مجاهد ( في تفسير الآية ) : كفار الجن شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، كفار الإنس، زخرف القول غرورا، " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ " اي: وذلك كله، بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء، " فَذَرْهُمْ " اي: فدعهم، " وَمَا يَفْتَرُونَ " اي: يكذبون، اي: دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم، فإن الله كافيك وناصرك عليهم، وقوله تعالى " وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ" اي: ولتميل إليه – قاله ابن عباس- "أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ " اي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، وقال السدي: قلوب الكافرين، " وَلِيَرْضَوْهُ " اي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، ، "وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ " اي، كما قال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.
وجدير بالتذكير، في نفس السياق، بما يترتب عن الثنائية القطبية: حزب الله في مواجهة حزب الشيطان، وقد قال الله تعالى، في سورة الحجر مخاطبا إبليس، كبير الشياطين: " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) " وهكذا، من خلال تفسير البغوي، عباد الله تعالى ليس لإبليس اللعين قوة على قلوبهم، وقال سفيان بن عيينة: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم، " إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ". ومما في تفسير الطبري المعنى العام في الآية: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك.
وفي آيات أخرى – بمعانيها كما في التفسير الوسيط / لجنة من العلماء/ الأزهر- المزيد من الإبراز للخاصيات وللمآلات المتباينة وبصفة مطلقة بين حزب الله - بمفهوم القرآن طبعا - من جهة، وحزب الشيطان - كما هو مبين كذلك في القرآن- من جهة أخرى. ففي الآية 56 المائدة: " وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ " أي: وكل مسلم يوالي الله بالطاعة وامتثال أمره، واجتناب نهيه، ويتخذ منه نصيرا ومعينا، وكذلك كل مسلم يتخذ الرسول إماما يهتدي بهديه، ويسترشد بإرشاده، ويستنصر به وبالمؤمنين ويصافيهم، ويخلص الحب لهم، فإن هؤلاء المسلمين هم الغالبون على أعدائهم، لأنهم حزب الله، الذين يطيعون أمره ويجتنبون نهيه، فكان لهم النصر على أعدائهم. وفي الآية 6 فاطر : " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ " أي: إن الشيطان لكم عدو- أيها الناس- منذ بداية خلقكم، فقد أخرج أباكم آدم من الجنة، وتوعد بإضلال ذريته، فاتخِذوه لكم عدوا واحذروا إغراءه وإضلاله في عقائدكم وشرائعكم، فما يدعوا المتحزبين معه والمشايعين له إلا إلى ملاذّ الدنيا وشهواتها الآثمة، ليورطهم فيها، ويجعلهم من اصحاب جهنم، وبئس المصير.
وفي سورة المجادلة : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) " ، وهكذا، من خلال نفس التفسير الوسيط/ لجنة من العلماء / الأزهر، في الآية 14: شروع في إنكار موالاة المنافقين لليهود، وتعجيب من حالهم، وهو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كل من يتأتى منه النظر. والمعنى: ألم تنظر أيها الرسول إلى حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء يناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين، فإن حالهم لَيدعُو إلى العجب، حيث إنهم يوالون قوما غضب الله عليهم، وهم اليهود " مَا هُمْ مِنْكُمْ " معشرا المؤمنين " وَلَا مِنْهُمْ " أي: من القوم المغضوب عليهم، لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك كما قال تعالى: " مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ " ( من الآية 143، النساء)، وجملة " مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ "مستأنفة أو حال من فاعل تولوا. وجوز ابن عطية أن يكون هم في " مَا هُمْ مِنْكُمْ " لليهود، وضمير " وَلَا مِنْهُمْ " للمنافقين، وعلى ذلك يكون المعنى: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم أي: القوم المغضوب عليهم منكم ولا من المنافقين الذين تولَّوهم فيكون فعل المنافقين على هذا أخس، لأنهم تولوا قوما مغضوبا عليهم ليسوا من أنفسهم فيلزمهم ذمامهم ولا من القوم المحقين فتكون الموالاة صوابا، " وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أي: ويحلف المنافقون على الكذب وهو قولهم: والله إنا لمسلمون، أو على أنهم ما شتموا النبي صلى الله عليه وسلم على ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: " إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه"، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال عليه الصلاة والسلام، حين رآه : " علام تشتمني أنت وأصحابك"، فقال: ذرني آتك بهم، فانطلق فدعاهم فحلفوا، فنزلت (خرجه الإمام أحمد وغيره)، حلف المنافقون على ذلك " وَهُمْ يَعْلَمُونَ " أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه، وفي ذلك إشارة إلى عظيم شناعة ما فعلوا، فإن الحلف على ما يعلم أنه كذب في غاية القبح .ومما ورد في معنى الآية 15، من خلال نفس المصدر للتفسير: إنه سبحانه، أعد للمنافقين نوعا شديدا من العذاب متفاقما، بسبب سوء صنيعهم الذي اقترفوه بموالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشِّهم، وقد تمادوا في الإساءة إليهم (إساءة مندد بها من الله تعالى) وفي الآية 16: إن اتخاذهم لأيمانهم الكاذبة الفاجرة وقايةً وسترًا حتى تسلم دماؤهم وأموالهم إذا ما افتضح وانكشف أمرهم هو عبارة عن إعدادهم لتلك الأيمان، وتهيئتهم إلى وقت الحاجة ليحلفوا، ويتخلَّصوا من المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل، فإن ذلك متأخرٌ عن المؤاخذة، وبما ذكر وضح أن المراد من قوله تعالى : " اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً " أي: أعدّوها، "فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ " اي: فصد المنافقون الناس عن سبيل الله في خلال أمنهم، بتثبيط من لقوا منهم عن الدخول في الإسلام وتهوين أمر المسلمين عندهم، وختمت الآية بوعيد ثان ووصف آخر لعذابهم ، " فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ "، الذي وصف أولا – في الآية قبله – بأنه شديد : "أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا "، لبيان أن العذاب بوصفيه الشديد والمهين ( يهينهم ويذلهم)، بلغ الغاية في الشدة والإهانة حتى حق عليهم قوله تعالى : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ " ( من الآية 145 النساء). وفي الآية 17: لن تدفع عنهم عذاب الله أموالهم مهما بلغت، ولا اولادهم مهما كانت معونتهم، فلا تغني عنهم أي غَناء، قليلا كان أو كثيرا، وليس المراد خصوص الأموال والأولاد، بل كل ما يعتبره الإنسان من دواعي القوة والمنعة، وإنما خص الأموال والاولاد بالذكر، لأن الإنسان في الغالب تارة ما يدفع عن نفسه بالفداء، وأخرى بالأولاد، " أُولَئِكَ " المنافقون الموصوفون بما ذُكر "أَصْحَابِ النَّارِ " الملازمون لها " هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " اي: المخلَّدون فيها لا يخرجون منها ابد الآبدين، روي أن رجلا منهم قال: لنُنْصَرُنَّ يوم القيامة بأنفسنا، وأموالنا وأولادنا فنزلت الآية. وفي الآية 18، كما في نفس التفسير الوسيط مرة أخرى: حين يبعثهم الله جميعا من قبورهم ويساقون للقاء ربهم فيحلفون له سبحانه، حينئذ بأنهم مسلمون حيث قالوا: " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " ( من الآية 23 الانعام)، كما يحلفون لكم في الدنيا، ويظنون بتلك الأيمان الفاجرة أنهم على شيء من جلب منفعة أو دفع مضرة كما كانوا عليه في الدنيا إذ كانوا يدفعون عن أموالهم الغنيمة، وعن أرواحهم القتل، وعن ذراريهم السبيَ بمثل تلك الايمان الفاجرة، ويأملون بها فوائد دنيوية "أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ " البالغون الغاية في الكذب التي لا مطمح بعدها لكاذب، حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة بتجاسرهم على علام الغيوب الذي يعلم السر وأخفى، وزعموا أن ايمانهم تجعل الكذب مقبولا لديه، عز وجل، كما تجعله مقبولا لدى المؤمنين الذين لا يعلمون إلا ظاهر القول، أما كُنهُهُ وحقيقة أمره فعلمه عند الله. وفي الآية 19: استولى عليهم وتمكن من عقولهم بوسوسته وتزيينه حتى اتبعوه فأنساهم بذلك ذكر الله. قال الكرماني: علامة استحواذ الشيطان على العبد أن يشغله بعمارة ظاهره من المآكل والمشارب والملابس، ويشغل قلبه عن التفكر في آلاء الله ونعمائه والقيام بشكرها، ويشغل لسانه عن ذكر ربه بالكذب والغيبة والبهتان، ويشغل لبَّه عن التفكر والمراقبة بتدبير الدنيا وجمعها، "أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ " أي: الموصوفون بما ذكر من القبائح والتمادي في العصيان – " حِزْبُ الشَّيْطَانِ " أي جنوده وأتباعه – " أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ " اي: البالغون في الخسران أقصاه حيث إنهم بسوء صنيعهم فوَّتًوا على أنفسهم النعيم المقيم، واختاروا بدله الشقاء الدائم والعذاب الاليم. وفي الآية 20: أولائك الموصوفون بما ذكر من التولي و الموادة للقوم المغضوب عليهم هم في جملة من جعله الله أذل خلقه من الأولين والآخرين، لأن ذلة أحد المتخاصمين على مقدار عزة الآخر، وحيث كانت عزة الله غير متناهية كانت ذلة من يحادّه كذلك. وبهذا: استئناف مسوق لتعليل ما قبله من خسران حزب الشيطان، والتعبير بالموصول ذما لهم بما في حيز الصِّلة وإشعارا بعلية الحكم. وفي الآية 21: استئناف وارد لتعليل كونهم في الأذلين، والمعنى: قضى الله واثبت في اللوح المحفوظ، وحيث جرى " كَتَبَ اللَّهُ " مجرى القسم أُجيبَ عنه بما أجيبت به القسم فقيل : "لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي " أي: بالحجة والعدد والعدَّة، ونظيره قوله تعالى : " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)" ( الصافات)، ويكفي في الغلبة تحققها للرسل عليهم السلام في أزمنتهم غالبا، فقد أهلك الله الكثير من أعدائهم بأنواع العذاب، كقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم، وبذلك تحققت الغلبة لرسله، كما تحققت للرسول صلى الله عليه وسلم لأن العاقبة كانت له بعد حرب استمرت بينه وبين أعدائه ، وكذا لأتباع الرسل بعدهم، وذلك إذا كان جهادهم أعداء الدين على نحو جهاد الرسل لهم بأن يكون خالصا لوجه الله عز وجل، لا لطلب ملك وسلطنة، واغراض دنيوية، ولن تجد مجاهد كذلك إلا منصورا، وخصَّ بعضَهم الغلبَة في الآية بالحجة لاطرادها، وهو خلاف الظاهر كما قال الالوسي. وكما في تفسير أبي حيان وتفسير الألوسي، قول مقاتل: لما فتح الله مكة والطائف وخيبر للمؤمنين، قالوا : نرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن سلول: أتظنون أن الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتهم عليها؟ والله إنهم لأكثر عددا، واشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت الآية- 21- حول حكم الله ليغلبن هو ورسوله. وفي الآية 22 المعنى وبتصرف: من الممتنع أن تجد قوما مؤمنين يوادون من عادى الله ورسول وذلك بأن يجمعوا بين الإيمان وموادة من عادى الله ورسوله. وهنا ورد التذكير بما اخرج الإمام أحمد وغيره عن البراء بن عازب مرفوعا: " اوثق الإيمان الحب في الله والبغض في الله"، وقد زاد سبحانه النهي عن موادة من عادى الله ورسوله تأكيدا بقوله : " وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ "، وليس المراد بمن ذكر خصوصهم، وإنما المراد الاقارب مطلقا، " أُولَئِكَ " تنويها برفعة شأن وعلو قدر الذين " كَتَبَ " الله تعالى " فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ" إشارة إلى الذين لا يوادُّون من حادَّ الله ورسوله وإن كانوا أقرب الناس إليهم، وأمسَّهم رحما بهم، " وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ " اي: قواهم بكتاب انزله، فيه حياة لهم وهو القرآن، أو بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح، لأن به حياة القلوب، والمراد بالروح على هذا نور يقذفه الله في قلب من يشاء، تحصل به الطمأنينة، والعروج على معارج التحقيق. وتسميته روحا، لأنه سبب الحياة الابدية، "وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار " ذلك بيان لآثار رحمته، تعالى، الأُخروية إثر بيان ألطافه الدنيوية، " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ " اي قَبِل أعمالهم " وَرَضُوا عَنْهُ " بيان لابتهاجهم الذي بدت آثاره عليهم بما أوتوه عاجلا وآجلا، وقد شرّفهم سبحانه بقوله " أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ " المختصّون به تعالى، وذلك تشريف لهم لا يعدله تشريف ما، " ألَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" ، هذا بيان لاختصاصهم بسعادة الدّارين، جاء بجملة مؤكدة تأكيدا قويا كما سبق بيانه قبله. وبعبارات أخرى، من خلال ما لدى جمهور المفسرين، يعنى بالآية 22 أن من أحب الله عادى أعداءه ولو كانوا من المقربين، وأولائك حبهم في الله، وبغضهم في الله، وإيمانهم بالله ثابت ولا يتزلزل. ولقد قوَّاهم الله بمدده ومعونته ولهم جنات في دار القرار. ولقد رضي الله عنهم بقبول أعمالهم ورضوا بما اعطاهم إذ نالوا ثوابه بدخول الجنة وهي أعظم النعم، إن أولائك هم جماعة الله وخاصّته وأولياؤه، وإن المنتمين لهاته الجماعة، وعلى النقيض ممن هم في حزب الشيطان، لهم الفائزون بالخير كله، دنيا وآخرة. وهاته الآية 22- كما لوحظ في نفس التفسير الوسيط ولدى جمهور المفسرين عموما – وإن نزلت في أناس بأعيانهم فالحكم فيها عام. واسباب نزولها في ما اخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في المستدرك بلفظ جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر، قصده أبو عبيد فقتله، فنزلت. وأخرج ابن المنذر عن ابي جريج قال: حُدٍّثت أن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وسلم فصكَّه ابو بكر صكَّة ( أي ضربه، دافعا إياه بقوة) فسقط، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: افعلت يا أبا بكر؟ فقال: والله لو كان السيف قريبا مني لضربته به، فنزلت الآية. وفي تفسير ابن كثير لم تنزل فقط في أبي عبيدة قتل اباه الجراح يوم بدر، وفي الصدّيق همَّ بقتل ابنه عبد الرحمان بن أبي بكر، وإنما كذلك في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وفي من قتلوا من عشيرتهم وهم حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر.
وجدير بالتوضيح، وكما يقول جمهور العلماء أن هاته الحالات تختلف تماما عن وضعيات الكافرين، من الاقارب كانوا أومن غيرهم بصفة عامة، والذين لا يناصبون المسلمين العداء، ولا يعلنون الحرب عليهم، وذلك باعتبار ما في سورة الممتحنة : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)" وهكذا، كما في نفس التفسير الوسيط / لجنة من العلماء / الازهر، في الآية 8: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من الكفار ولم يخرجوكم من دياركم أن تحسنوا إليهم وتكرموهم وتمنحوهم صلتكم وتعدلوا بينهم، إن الله يحب أهل البرّ، والتواصل والحق والعدل. جاء في الحديث الصحيح : " المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلُوا" ( له صيغ، أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر بن العاص)، وأخرج البخاري وغيره عن اسماء بنت أبي بكر، رضى الله عنهما، قالت : " اتتني أمي راغبة، وهي مشركة في عهد قريش، إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت رسول الله أأصلها؟ فأنزل الله تعالى : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)، فقال عليه الصلاة والسلام: " نعم صِلِي أمّكِ". وقال الحسن: نزلت الآية في خُزَاعة وغيرها من قبائل العرب كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألاّ يقاتلوه وألا يعينوا عليه. وقال قرة الهمداني: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس. وعن عبد الله بن الزبير: نزلت في النساء والصبيان من الكفرة. والأكثرون على أنها نزلت في كَفَرة اتَّصفوا بما في الآية أي: " لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ". وفي الآية 9: إنما ينهاكم الله عن الذين حاربوكم في الدين ليصدُّوكم عنه واجبروكم على الخروج من دياركم وعاونوا على إخراجكم، كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا من أخرجوهم، إنما ينهاكم الله عن موالاتهم وأن تتخذوهم أنصارا لكم وأعوانا، ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: " وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " اي: ومن يتخذوهم أولياء لهم وأعوانا فأولائك الظالمون المتجاوزون الحد لوضعهم الولاية موضع العداوة، أو هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب، وفي أسلوب القصر من المبالغة ما لا يخفى.


تعليقات