التدبّروالحكمة ، من القرآن والسنّة مشتقّة
- أحمد صديق

- 2 يناير 2021
- 8 دقيقة قراءة
1- في الآية 24 سورة محمد: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" تساؤل معناه العام ومن خلال تفسير القرطبي: أفلا يتفهمون القرآن فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام، بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون، وأصل القفل اليبس والصلابة، والاقفال هنا إشارة إلى ارتجاج القلب وخلوّه من الإيمان، أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر، لأن الله تعالى طبع على قلوبهم. أوكما في التفاسير بوجه عام: أفلا يتفهم هؤلاء القرآن ليدركوا مواعظه، بل على قلوب لهم مغاليق، دلالة على أنهم لا يعقلون ( و صيغة التوبيخ هاته للمعرضين عن الإسلام، عقيدة و سلوكا و في طياتها كذلك التنبيه للناس أجمعين و الإرشاد إلى سبيل الله تعالى).
و هناك آيات أخرى في القرآن تشد بدورها الانتباه إلى أهمية إعمال الفكر و العقل، استلهاما للعبر. و هي كما يلي، بمعانيها و كما في التفسير الوجيز للزحيلي :
" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا" الآية 82 النساء ، أي: أفلا يتفهمون القرآن و يتأملون معانيه و أحكامه و عظاته؟ و لو تدبروه لوجدوه منسجما مع بعضه، و لو كان من كلام البشر، لوجدوا تفاوتا و تناقضا كثيرا.
وفى سورة ص " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُواْ الْأَلْبَابِ29 ) (" أي: هذا كتاب أنزلناه إليك أيها النبي، كثير الخير و النفع، ليتفكروا ما في معاني آياته، وليتعظ أولو العقول السليمة، فيعملوا بما فيه.
و في سورة المؤمنون: " قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)" وهكذا في الآية 66: قد كانت آياتي من القرآن تقرأ عليكم، لتتأملوا فيها و تؤمنوا بها فكنتم تعرضون عن سماعها إعراضا شديدا منيعا. والأعقاب جمع عقب: و هو مؤخر قدم الرجل، و النكوص: الرجوع بالظهر إلى الخلف. وفي الآية 67 : مستكبرين بالبيت الحرام على المؤمنين، و هم كفار قريش الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل الحرم و خدامه، سامرين و هم الذين يتسلّون بالأحاديث ليلا، متكلمين بساقط القول في شأن القرآن و النبي. و السامر: اسم جمع بمعنى سامرين، أي حال كونكم تفعلون هذه الأمور. و الهجرة: الهذيان و الفحش، ( قال سعيد بن جبير: كانت قريش تسمر حول البيت و لا تطوف به و يفتخرون به، فأنزل الله هذه الآية(. و في الآية 68: أفلم يتدبروا القرآن الدال على صدق النبي صلى الله عليه و سلم و يتفكروا فيه ليعلموا أنه الحق من ربهم، أم (للانتقال من توبيخ إلى توبيخ آخر) جاءهم مالا عهد به لآبائهم الأقدمين، من الرسول و الكتاب؟!. و في الآية 69: أم لم يعرفوا رسولهم بالأمانة و الصدق و حسن الخلق، فهم منكرون له، مكذبون بدعواه. و في الآية 70: أم يقولون: به جنون مع أنهم علموا أنه أرجح الناس عقلا، بل (لإبطال ما قبله و إثبات ما بعده) جاءهم بالدين القويم والقرآن العظيم، و أكثرهم للحق كارهون، لأنه يخالف أهواءهم و شهواتهم. و في الآية 71:ولو وافق الحق أهواءهم، و أيد القرآن رغباتهم لفسدت السماوات و الأرض و من فيهن بخروجها عن نظامها المشاهد، بل أتيناهم بالقرآن الذي فيه مجدهم و شرفهم، فهم عن هذا الشرف و المفخرة معرضون عنه، مهملون له.
ومن القرآن الكريم لا فحسب الآيات حول تدبره برمته و إنما كذلك العديد من الآيات الأخرى حول جدوى الإمعان في آيات الله الكونية. و من ذلك، في سورة آل عمران: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) " ومن خلال نفس التفسير الوجيز للزحيلي، في الآية 190: و إن في إيجاد وإبداع السماوات و الأرض و تعاقب الليل و النهار بدقة، و تفاوتهما طولا و قصرا، و حرا وبردا و غير ذلك، لدلالات واضحات على وجود الله و قدرته ووحدانيته لأصحاب العقول السليمة (نزلت هذه الآية لما طلبت قريش من النبي صلى الله عليه و سلم قائلين: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه فنزلت الآية، فليتفكروا فيها). و في الآية 191: الذين يتذكرون الله دائما في جميع أحوالهم، قائمين في صلاتهم و قاعدين في مجالسهم ومضطجعين على جنوبهم و يتفكرون في بديع صنع السماوات و الأرض و إتقانهما، يقولون: ربنا ما خلقت هذا عبثا و لهوا، بل خلقته دليلا على قدرتك و حكمتك، ننزهك عما لا يليق بك و عن العبث، فاجعل لنا من طاعتك وقاية لنا من النار.
2 -إن طاعة الله ورسوله الطريق إليها تدبر القرآن والسنة – نهلا من منابع الحكمة الحقة- والالتزام بالأمر والنهي فيهما. وبالفعل إن القرآن والسنة لمصدر الحكمة الحقة، وقد قال الله تعالى عن دعوة ابراهيم عليه السلام والمعلنة عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " (الآية 129 البقرة)، ومما في تفسير الثعلبي أقوال للعلماء تعريفا بالحكمة كفهم للقرآن، أو كمواعظ القرآن وما فيه من الأحكام، وبيان الحلال والحرام أو هي العلم والعمل مجتمعين، أو كل ما هو وعظ أو زجر أو دعوة إلى مكرمة أو نهي عن قبيح أو كل صواب من القول ورَّث فعلا صحيحا أو حالا صحيحا أو وضع الأشياء مواضعها.
ومما قال الله تعالى كذلك حول الحكمة ما هو من الآية 231 (نفس السورة):" وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ" أي وكما في تفسير البغوي: واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام، واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة، واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة، يُذكِّركم الله بهذا، ويُخوّفكم من المخالفة، فخافوا الله وراقبوه.
ومما قال الله تعالى كذلك، في الحكمة، ما في الآية 269 البقرة: " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ "، وفي تفسير القرطبي قوله تعالى " يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ " أي الله تعالى يعطيها لمن يشاء من عباده، واختلف العلماء في الحكمة هنا، فقال السدي هي النبوة، ابن عباس: هي المعرفة بالقرآن، فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. وقال قتادة ومجاهد: الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد: الحكمة العقل في الدين. وقال مالك بن أنس الحكمة: المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع. وقال أيضا: الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وقال الربيع بن أنس: الحكمة الخشية. وقال ابراهيم النخعي: الحكمة الفهم في القرآن، وقاله زيد بن أسلم. وقال الحسن: الحكمة الورع. قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا السدي والربيع والحسن، قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة، وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه. فقيل للعلم حكمة، لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي صحيح البخاري، " من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين". وقال هنا: " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا " وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناءا بها، وتنبيها على شرفها وفضلها. وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده: حدثنا مروان بن محمد، حدثنا رفدة الغساني قال: اخبرنا ثابت بن عجولان الأنصاري قال: كان يقال إن الله يريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلمِ الصبيانَ الحكمةَ صرف ذلك عنهم. قال مروان: يعني بالحكمة القرآن. قوله تعالى: " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ " يقال: من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الاولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك : " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا " ( من الآية 85 الإسراء)، وسمي هذا خيرا كثيرا لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء: من أُعطيَ العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا، لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال: " قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ" ( من الآية 77 النساء) وسمى العلم والقرآن " خَيْرًا كَثِيرًا "، و " الْأَلْبَابِ " العقول.
وارتباطا مرة أخرى بالحكمة قال الله تعالى في سورة آل عمران : " لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) " أي ومما في تفسير الألوسي "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ " : أنعم وتفضل "عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " الذين آل أمرهم إلى الإيمان " إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ " أي بينهم "رَسُولًا" عظيم القدر جليل الشأن " مِنْ أَنْفُسِهِمْ " من بني آدم، وهناك حصول الأُنْس بكونه من الإِنْس وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " ( الآية 107 الأنبياء)، "يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ " أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية "وَيُزَكِّيهِمْ " أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها " وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ " والمراد بهما القرآن الجامع للعنوانين، أو القرآن والسنة. وتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ إقامة عماد الدين، وتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى ، " وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ " أي من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم " لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " وفي هذا تبيين لكمال النعمة وتمامها.
ومن السنة، الحديث عن أبي هريرة مرفوعا وقد رواه ابن ماجة والترمذي (واللفظ له) : "الكلمةُ الحكمةُ ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها"، ولهذا الحديث شاهد رواه ابن حبان. والمعنى فيه لدى العلماء وبوجه عام أن المؤمن لا يزال طالبا للحق حريصا عليه، ولا مانع له من اكتساب المعارف من الوجوه كلها، شريطة ألا تتعارض مع ما في القرآن وما في السنة. ومما في حواشي تحفة الاحوذي، شرحا لهذا الحديث : " الكلمة الحكمة" هي الفقه في الدين. وقيل إن الحكيم يطلب الحكمة، فإن وجدها فهو أحق بها أي بالعمل بها واتباعها، وينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الآيات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما.
وروى أحمد عن مكحول، حديثا آخر ( له شواهد عند غيره): " من أخلص لله أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، ومن خلال هذا الحديث ، يستنتج جمهور العلماء أن للإخلاص العبادة لله تعالى الاثر الموجب والبيّن على خواطر المؤمن وسلوكاته. وهناك كذلك حديث، عن ابن مسعود، روي من مصادر كالدلائل للبيهقي والأمثال للعسكري: "رأس الحكمة مخافة الله" ومن خلال القرآن والسنة، كما يستنتج من أقوال العلماء مرة أخرى، أن مخافة الله سبيل إلى الجنة، وفي الدنيا تكسب المؤمن الهيبة وهو ينعم بالسكينة، و من لم يخف الله جعله إن عاجلا أو آجلا عرضة للوهن والرعب.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود قوله: قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله مالا فسُلِّط على هَلَكَتِه في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" وهذا الحديث ورد في باب الاغتباط في العلم والحكمة. ومما في فتح الباري للعسقلاني شرحا للحديث، الحسد المذكور فيه هو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، ومنه " فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " ( من الآية 26المطففين)، وإن كان في المعصية فهو مذموم، وإن كان في الجائزات فهو مباح، قوله: "مالا" نكرة ليشمل القليل والكثير وقوله : " فسُلِّط "، عبِّر بالتسليط دلالة على قهر النفس المجبولة على الشح، وقوله : " هَلَكَتِه " أي إهلاكِه، وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئا، وكمله بقوله " في الحق" أي: في الطاعات ليزيل عنه إبهام الإسراف المذموم، قوله " الحكمة" أي القرآن، وقيل المراد بالحكمة كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح.
ولعل من نافلة القول التذكرة والتذكير، دائما وأبدا، بأن السنة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقرآن، مفسرة له وفي انسجام وتكامل معه، ومن خلال تدبرهما ولا ريب تسطع الأنوار، وتستخلص العبر، ومن خلال تدبر القرآن والسنة تكتسب الحكمة بمفهومها الرباني. إنها الحكمة الحقة، مشتقة من القرآن ومن السنة.


تعليقات