التّذكرة، بِشارة ونِذارة
- أحمد صديق

- 15 يناير 2021
- 3 دقيقة قراءة
في الآية 48 الحاقة، عن القرآن: " وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٞ لِّلْمُتَّقِينَۖ" أي، كما من تفسير ابن عاشور: إنه مذكر للناس بما يغفلون عنه من العلم بالله وما يليق بجلاله لينتشلهم من هوة التمادي في الغفلة حتى يفوت الآوان. ومن تفسير القرطبي: التذكرة للمتقين، الخائفين الذين يخشون الله.
ومن الآية 17 المزمل، وما هو مثنى في الآية 29 الانسان" تَذْكِرَة"، أي كما في تفسير البغوي وغيره، آيات القرآن، تذكير وموعظة: "اِنَّ هَٰذِهِۦ تَذْكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ اَ۪تَّخَذَ إِلَيٰ رَبِّهِۦ سَبِيلاًۖ"، و" فَمَن شَآءَ اَ۪تَّخَذَ إِلَيٰ رَبِّهِۦ سَبِيلاًۖ"، بالايمان والطاعة.
وفي سورة المدثر: " فَمَا لَهُمْ عَنِ اِ۬لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (48)" أي، واعتبارا لسياق الآية، كما في التفسير الميسر/ لجنة من العلماء/ المدينة، فما لهؤلاء المشركين عن القرآن وما فيه من المواعظ منصرفين. وفي نفس السورة، كما في الوسيط لطنطاوي، زجر مؤكد : " كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذْكِرَةٞۖ (53)"، أي لم نمكنهم مما يريدون، لان القرآن فيه التذكير الكافي، والوعظ الشافي.
وفي الآية 11 عبس: " كَلَّآ إِنَّهَا تَذْكِرَةٞۖ"، مرة أخرى وكما من تفسير القرطبي، كلمة ردع وزجر بحيث آيات القرآن موعظة وتبصرة للخلق.
وفي الآية 21 الغاشية: " فَذَكِّرِ" يا محمد، عبادي بآياتي وعظهم بحججي، وبلغهم رسالتي (كما في تفسير الطبري). وانذرهم وبشّرهم (كما من تفسير السعدي)، " اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞۖ " أي واعظ (كما في تفسير القرطبي).
وهكذا فالتذكرة، من خلال الموعظة والتبصرة، بِشارة ونِذارة، ويا محمد " وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيراٗ وَنَذِيراٗ" من الآية 28 سبأ، و " اِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِالْحَقِّ بَشِيراٗ وَنَذِيراٗۖ" (من الآية 24 فاطر ومن الآية 118 البقرة)، وكما في تفسير الواحدي، محمد صلى الله عليه وسلم أرسله الله تعالى بالقرآن والاسلام، أي: مع الحق، مبشّرا للمؤمنين ومخوّفا ومحذّرا للكافرين، و: "اِ۪نَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداٗ وَمُبَشِّراٗ وَنَذِيراٗ" (من الآية 45 الأحزاب و في الآية 8 الفتح)، وكما في تفسير السيوطي يا محمد " إنا أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداٗ " على أمتك " وَمُبَشِّراٗ" بالجنة "وَنَذِيراٗ" من النار (ووصْف الشاهد، كما في تفسير ابن عاشور، يتفرّع عنه وصف المبشِّر والنّذير).
وفي الآية 57 يونس، وكما في تفسير ابن كثير، قول الله تعالى ممتنّا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: " يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمْ" أي زاجر عن الفواحش " وَشِفَآءٞ لِّمَا فِے اِ۬لصُّدُورِ" أي من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس "وَهُديٗ وَرَحْمَةٞ لِّلْمُومِنِينَۖ" أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين والمصدّقين، الموقنين بما فيه.
وفي سورة ق: " قَٓۖ وَالْقُرْءَانِ اِ۬لْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنْذِرٞ مِّنْهُمْ فَقَالَ اَ۬لْكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَےْءٌ عَجِيبٌ (2) اَ۟ذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباٗ ذَٰلِكَ رَجْعُۢ بَعِيدٞۖ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ اُ۬لَارْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢۖ (4) بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِےٓ أَمْرٖ مَّرِيجٍۖ (5) اَفَلَمْ يَنظُرُوٓاْ إِلَي اَ۬لسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖۖ (6) وَالَارْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِۢ بَهِيجٖ (7) تَبْصِرَةٗ وَذِكْر۪يٰ لِكُلِّ عَبْدٖ مُّنِيبٖۖ (8)"، ومن خلال تفسير البغوي، في هاته الآيات، إعراض كفار قريس عن محمد صلى الله عليه، منكرين رسالته، لا إيمان لهم بالبعث والنشور، والله يعلم من يموت منهم ومن يبقى، وعنده كتاب، هو اللوح المحفوظ ، محفوظ من أن يتغيّر، بل كذبوا بالقرآن، فأمرهم ودينهم ملتبس، ولقد دلهم الله تعالى على قدرته، ومن ذلك ما يرونه عيانا، من إبداع وإحكام الخلق في السماء والأرض وما فيهما، والله تعالى في سياق هاته الآيات، بيّن أنه سبحانه جعل ذلك تبصيرا وتذكيرا لكل عبد ليبصر به ويتذكر به:
" تَبْصِرَةٗ وَذِكْر۪يٰ لِكُلِّ عَبْدٖ مُّنِيبٖۖ ". وفي التفسير الوسيط/ لجنة من العلماء/ الأزهر: آيات الله كلها تبصّرا وتذكرا لكل عبد راجع إلى الحق، والصنعة البديعة تدل على الصانع المبدع المتفرّد في إبداعه.
ومما قال ابن قيم الجوزية في تفسيره للآية: " تَبْصِرَةٗ وَذِكْر۪يٰ لِكُلِّ عَبْدٖ مُّنِيبٖۖ " التّبصرة آلة البصر والتّذكرة آلة الذّكر، وقرن بينهما وجعلهما لأهل الانابة، لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر، فاستدلّ بها على ما هي آيات له، فزال عنه الإِعْراض بالإنابة، والعَمَى بالتّبصرة، والغفلة بالتّذكرة، لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها. فترتيب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب، ثم إن كل منها يَمُدّ صاحبه ويقوّيه ويُثَمِّرُهُ. وكما في كتاب ابن القيم، "مفتاح دار السعادة"، قوله تعالى في الآية " تَبْصِرَةٗ وَذِكْر۪يٰ لِكُلِّ عَبْدٖ مُّنِيبٖۖ " يحيل على التبصرة/التعقّل و التذكرة/ التذكّر، والفكر باب ذلك ومدخله، فإذا فكّر تبصّر، وإذا تبصّر تذكّر.


تعليقات