البصيرة، دلالات وعبر
- أحمد صديق

- 12 أغسطس 2021
- 4 دقيقة قراءة
البصيرة، المفرد لبصائر، وردت في القرآن، أولا في الآية 108 يوسف : "قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيَ أَدْعُوٓاْ إِلَي اَ۬للَّهِۖ عَلَيٰ بَصِيرَةٍ اَنَا وَمَنِ اِ۪تَّبَعَنِےۖ وَسُبْحَٰنَ اَ۬للَّهِ وَمَآ أَنَا مِنَ اَ۬لْمُشْرِكِينَۖ" (والتفسير كما لدى البغوي) : "قل" يامحمد، "هذه" الدعوة التي ادعوا اليها والطريقة التي أنا عليها "سبيلي" سنتي ومنهاجي ،أو كما قال مقاتل : ديني، "ادعو الى الله على بصيرة"، على يقين. و البصيرة : هي المعرفة التي نميز بها بين الحق والباطل، " أنا ومن اتبعني" أي : ومن آمن بي و صدقني أيضا يدعو إلى الله. هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا : حق على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه ، و يذكر بالقرآن.
وقيل: تم الكلام عند قوله "أدعو إلى الله" ثم استأنف : " على بصيرة أنا و من اتبعني " يقول : اني على بصيرة من ربي، و كل من اتبعني . قال ابن عباس : يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة و أقصد هداية ، معدن العلم وكنز الإيمان و جند الرحمن.
و مما قال عبدالله بن مسعود : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبا ، و أعمقها علما , و أقلها تكلفا، و أنهم كانوا على الهدى المستقيم. قوله تعالى : "وسبحان الله'' أي : وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا به "وما أنا من المشركين".
والبصيرة، المفرد لبصائر وردت في القرآن،ثانيا في الآية 14 القيامة، وسياقها الآيات : "لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اِ۬لْقِيَٰمَةِ (1) وَلَآ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اِ۬للَّوَّامَةِۖ (2) أَيَحْسِبُ اُ۬لِانسَٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ (3) بَل۪يٰۖ قَٰدِرِينَ عَلَيٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥۖ (4) بَلْ يُرِيدُ اُ۬لِانسَٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥۖ (5) يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ اُ۬لْقِيَٰمَةِۖ (6) فَإِذَا بَرَقَ اَ۬لْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ اَ۬لْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ اَ۬لشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُاُ۬لِانسَٰنُ يَوْمَئِذٍ اَيْنَ اَ۬لْمَفَرُّۖ (10) كَلَّا لَا وَزَرَۖ (11) إِلَيٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اِ۬لْمُسْتَقَرُّۖ (12) يُنَبَّؤُاْ اُ۬لِانسَٰنُ يَوْمَئِذِۢ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَۖ (13) بَلِ اِ۬لِانسَٰنُ عَلَيٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٞ (14) وَلَوَ اَلْق۪يٰ مَعَاذِيرَهُۥۖ (15)"
وفي تفسير السعدي "لا اقسم بيوم القيامة" ليست "لا" (ها) هنا، نافية، (ولازائدة) وإنما أتى للاستفتاح والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح.
فالمقسم به في هذا الموضع، هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت ،وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم.
"ولا أقسم بالنفس اللوامة "وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة،سميت "لوامة" لكثرة ترددها وتلومها وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولانها عند الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء.
ثم اخبر مع هذا، أن بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: "أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه" بعد الموت،كما قال في ما من الآية 77 يس : "قال من يحيي العظام وهي رميم" فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي عماد البدن ،فرد عليه بقوله : "بلى قادرين أن نسوي بنانه" أي : أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان،فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما (وقع) ذلك منه أن قصده وإرادته ان يكذب بما أمامه من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد.
ومن جهة أخرى، استكمالا لهذا التفسير للسعدي ولدى غيره، تجدر الإشارة إلى الإعجاز العلمي لقوله تعالى: "بلى قادرين على ان نسوي بنانه" وهو ان البنان تحتوي على البصمات،وهي في الغاية من الدقة وبحيث لا يتشابه اثنان في خريطة البصمات، والله قادر على أن يرد هذه البصمات يوم القيامة،كما كانت وبنفس الخريطة والدقة،وذلك في معرض الرد على المشركين اللذين ينكرون المعاد و يستبعدون حشر الأجسام بعد كونها ترابا،وقد ذكر هذا المعنى كثير من الباحثين دراسات الإعجاز العلمي في القرآن.
واستئنافا لما في تفسير السعدي: ثم ذكر احوال القيامة ( الآيات 7 الى 15 ) و "فإذا برق البصر" أي: إذا كانت القيامة برقت الابصار من الهول العظيم،وشخصت فلا تطرف، كما قال الله تعالى،في سورة إبراهيم: "وَلَا تَحْسِبَنَّ اَ۬للَّهَ غَٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ اُ۬لظَّٰلِمُونَۖ إِنَّمَا يُوَ۬خِّرُهُمْ لِيَوْمٖ تَشْخَصُ فِيهِ اِ۬لَابْصَٰرُ (44) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِے رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْـِٕدَتُهُمْ هَوَآءٞۖ (45)"، "و خسف القمر" اي: ذهب نوره و سلطانه، "و جمع الشمس و القمر" و هما لم يجتمعا منذ خلقهما الله، فيجمع الله بينهما يوم القيامة، و يخسف القمر، و تكور الشمس، ثم يقذفان في النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، و ليرى من عبدهما انهم كانو كاذبين، "يقول الإنسان" حين يرى تلك القلاقل المزعجات: "أين المفر" أي الخلاص و الفكاك مما طرقنا و أصابنا، "كلّا لا وزر" أي لا ملجأ لأحد دون الله، "إلى ربك يومئذ المستقر" لسائر العباد فليس بإمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ذلك الموضع، بل لا بد من إيقافه ليجزى بعمله، و لهذا قال: "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم و أخر" أي يجمع عمله الحسن و السيئ، في أول وقته و آخره، و ينبأ بخبر لا ينكره، "بل الإنسان على نفسه بصيرة" أي شاهد و محاسب، "و لو ألقى معاذيره" بأنها معاذير لا تقبل، و لا تقابل ما يقرر به العبد، فيقربه، كما قال تعالى في الآية 14 الإسراء: " اِ۪قْرَأْ كِتَٰبَكَ كَف۪يٰ بِنَفْسِكَ اَ۬لْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباٗۖ"، فالعبد و إن أنكر، أو اعتذر عما عمله، فإنكاره و اعتذاره لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه و بصره، و جميع جوارحه بما كان يعمل، و لأن استعتابه قد ذهب وقته و زال نفعه: "فَيَوْمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ اُ۬لذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَۖ" الآية 56 الروم


تعليقات