الإعتدال والقسط(Modération et Equité,à suivre en français in supra)
- أحمد صديق

- 22 مارس 2022
- 5 دقيقة قراءة
الإعتدال مرادفه الوسطية، وهي تحيل على التوسط بين حالتين و على الأخذ بالمنهج الأقوم في التصورات والسلوك. والقسط مرادفه العدل ، ومن أسماء الله الحسنى " المقسط" بمعنى عام العادل.وفي أكبر شهادة- ومن الآية 20 الأنعام : " قُلَ اَيُّ شَےْءٍ اَكْبَرُ شَهَٰدَةٗ قُلِ اِ۬للَّهُۖ " - الآية 18 آل عمران " شَهِدَ اَ۬للَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ اُ۬لْعِلْمِ قَآئِماَۢ بِالْقِسْطِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُۖ " وكما لدى جمهور المفسرين ،ومنهم الزحيلي في تفسيره الوجيز،، في هذا إخبار الله تعالى في القرآن و السنة أنه واحد،لا شريك له،وأنه مقيم العدل بين خلقه وفي جميع أموره ،لا إله بحق إلا هو، الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في صنعه وتدبيره وأفعاله.وشهادة الله هاته تترتب عنها شهادة الملائكة بالإقرار وشهادة أولي العلم من الأنبياء والعلماء والمؤمنين، بالإيمان والإقرار.
وإن الله تعالى، لا غالب إلا هو، مدبرا للأمور و له كمال الحكمة و الحكم بين المخلوقات، مما يحثنا عليه، تمسكا بالإعتدال و الوسطية،القول والعمل بما من الآية 199 البقرة : " رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِے اِ۬لدُّنْي۪ا حَسَنَةٗ وَفِے اِ۬لَاخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ اَ۬لنّ۪ارِۖ " ومن المرغوب فيه هنا حقا، كما قيل في تفسير الطبري وغيره، العافية في الدنيا وفي الآخرة أو العلم و العباد ة والرزق في دارالتكليف ( الدنيا ) و الجنة في دار الجزاء ( الآخرة ).
وفي الآية 77 القصص : " وَابْتَغِ فِيمَآ ءَات۪يٰكَ اَ۬للَّهُ اُ۬لدَّارَ اَ۬لَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَ۬لدُّنْي۪اۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَ۬للَّهُ إِلَيْكَۖ وَلَا تَبْغِ اِ۬لْفَسَادَ فِے اِ۬لَارْضِ إِنَّ اَ۬للَّهَ لَا يُحِبُّ اُ۬لْمُفْسِدِينَۖ " أي وكما من تفسير القرطبي،أطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة،وهي الجنة، فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة لا في التجبر والبغي، و " لا تنس نصيبك من الدنيا " أي أن نصيب الإنسان عمره و عمله الصالح فيها ،كما قال ابن عباس والجمهور، فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة ، وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال و طلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك، وقال مالك: وهو الأكل والشرب بلا سرف، " وأحسن كما أحسن الله إليك" أي أطع الله واعبده كما أنعم عليك، وقيل هو أمر بصلة المساكين، قال ابن العربي: فيه أقوال كثيرة مؤداها إستعمال نعم الله في طاعة الله، " ولا تبغ الفساد في الأرض" أي لا تعمل بالمعاصي.
وفي ما من الآية 142 البقرة، ارتباط التوسط بالشهادة ،تقييما بالقسط(العدل) : " وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمُۥٓ أُمَّةٗ وَسَطاٗ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَي اَ۬لنَّاسِ وَيَكُونَ اَ۬لرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداٗۖ " أي ومما يستنتج من التفاسير بوجه عام، المسلمون خيار و عدول في أمور الدين والدنيا ، ومما يعلمون أن دينهم " يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه "( كما من الحديث لدى البخاري وغيره) وأن من الواجب وبصفة أعم الأخذ بالأمر الأوسط، أخذا بقاعدة لا إفراط ولا تفريط ، و مما ورد كذلك من الحديث:" القصد القصد" ( لدى البخاري ومسلم ) .
وكمامن تفسير الطبري وتفسير ابن كثير، المسلمون الأمة الوسط (العدل), شرائعها كاملة، وهم شهداء لأنبياء الله ورسله على أممهم بالبلاغ، ويكون محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم - أيها المسلمون - بإيمانكم به و بما جاء به من عند الله.
و للتذكير و مزيدا في التوضيح، الأخذ بالإعتدال والقسط واجب في المعاملات مع الناس أجمعين، وبما فيهم غير المسلمين.وهذا مؤكد مثلا في الآية 8 الممتحنة: "لَّا يَنْه۪يٰكُمُ اُ۬للَّهُ عَنِ اِ۬لذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِے اِ۬لدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيٰ۪رِكُمُۥٓ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ يُحِبُّ اُ۬لْمُقْسِطين" .وهكذا كما في التفسير الوسيط/لجنة من العلماء/الأزهر ،لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من الكفار ولم يخرجوكم من دياركم أن تحسنوا إليهم وتكرموهم و تمنحوهم صلتكم و تعدلوا بينهم،إن الله يحب أهل البر،والتواصل والحق والعدل.
وفي الحديث( أخرجه مسلم والنسائي،وله صيغ) : " المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين يعدلون في حكمهم و أهاليهم وما وَلُوا."
وأخرج البخاري وغيره عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنها، قالت : " أَتَتْني أُمي راغبة، وهي مشركة في عهد قريش، إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت رسول الله:
أأصلها ؟ فأنزل الله تعالى :" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" فقال عليه الصلاة والسلام:
"نعم صِلِي أُمَّكِ". ومما قيل كذلك (من لَدُنِ الحسن): نزلت الآية في خزاعة وغيرها من قبائل العرب كانوا صالحوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ألا يقاتلوه وألا يعينوا عليه.
وإن الله " المقسط" ( العادل ) و" العدل" ( وهذا كذلك من أسمائه الحسنى ،أي بصفة عامة المنزه عن الظلم و الجور في أحكامه و أفعاله ) " لَيْسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلْعَبِيدِۖ " ( من الآيات 182 آل عمران و 51 الأنفال و 10 الحج), فعدل الله تعالى فينا،كما يقول جمهور المفسرين، وعقابنا حاصل بسبب معاصينا ( أو كما قيل في الكشاف للزمخشري: من العدل أن يعاقب الله المسيء و يثيب المحسن).
ومن الأحاديث ذات الدلالات البليغة و المتكاملة،بارزة في طياتها،ومن خلالها مظاهر عدل الله - قسطه -مقترنا برحمته :
ما روى مسلم،عن أبي ذر الغفاري،عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،عن جبريل،عن الله تعالى أنه قال : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّما،فلا تظالموا،يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم،يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسيكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عباد لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ".
وتأكيدا لتبيان أهمية الإعتدال و الوسطية في الإسلام ،هناك حديث آخر - وليس أخيرا- وقد رواه البخاري و مسلم وغيرهما (واللفظ لدى البخاري) ، عن أنس بن مالك والمعاني بين قوسين، من خلال شرح العسقلاني/ فتح الباري : " جاء ثلاثة رهط (أي ثلاثة جموع من الرجال، كما هو في لسان العرب بوجه عام) إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه و سلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها (استقلوها أي رأى كل منهم أنها قليلة ) فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غُفِرَ ما تقدَّم من ذنبه و ما تأخَّر ( والمعنى أن من لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل بخلاف ما حصل له، لكن قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بلازم، فأشار إلى هذا بأنه أشدهم خشية (وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الرُّبوبية) ،قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : "أنتم الذين قلتم كذا و كذا، والله إني أخشاكم لله و أتقاكم له، لكني أصوم و أفطر و أصلي و أرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي (أي أعرض عنها إلى غيرها) فليس مِنِّي ( ليس على طريقتي/ مِلَّتي )".
وهكذا كما يؤكد جمهور العلماء، ومنهم العسقلاني: لا رهبانية في الإسلام، وما طريقة النبي صلى الله عليه وسلم إلا الحنيفية السمحة، فالتوحيد التوحيد، ولا مجال لِلْغُلُوِّ ولا خير في التَّشدُّد.


تعليقات