الإسلام دين الوسطية والإعتدال
- أحمد صديق

- 2 مايو 2021
- 6 دقيقة قراءة
إن ترجيح كفة القصد والعفاف على كفة إشباع رغبات الدعة والاستهلاك في الدنيا وأن الإعداد العدة للفوز بالنعيم الحق المقيم في الآخرة، إطارهما العام: منهجية الوسطية والاعتدال. ومما في القرآن الكريم، في هذا الصدد ( مع معاني الآيات كما في التفسير الميسر / نخبة من العلماء / المدينة): " يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)" (الأعراف) أي: يا بني آدم كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك، وكلو واشربوا من طيبات ما رزقكم الله، ولا تتجاوزوا حدود الاعتدال في ذلك، إن الله لا يحب المتجاوزين المسرفين في الطعام والشراب وغير ذلك. وفي الآية 32: قل ايها الرسول لهؤلاء الجهلة من المشركين (مشركي قريش وأمثالهم) من الذي حرم عليكم اللباس الحسن الذي جعله الله تعالى زينة لكم؟ ومن الذي حرم عليكم التمتع بالحلال الطيب من رزق الله تعالى؟ قل، أيها الرسول، لهؤلاء المشركين: إن ما أحله الله من الملابس والطيبات من المطاعم والمشارب حق للذين آمنوا في الحياة الدنيا يشاركهم فيها غيرهم، خالصة لهم يوم القيامة، مثل ذلك التفضيل يفصِّل الله الآيات لقوم يعلمون ما يُبَيِّن لهم، ويفقهون ما يميز لهم.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو : " كلوا واشربوا، والبسوا، وتصدَّقوا، من غير مَخِيلَةٍ ( أي كِبْرٍ) ولا سَرَفْ ( أي تبذير، تجاوزا للحد) فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
وفي سورة الإسراء: " وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) " ومن خلال نفس التفسير الميسر: وأحسن إلى كل من له صلة قرابة بك، وأعطه حقه من الإحسان والبر، واعط المسكين المحتاج والمسافر المنقطع عن أهله وماله، ولا تنفق مالك في غير طاعة الله، أو على وجه الإسراف والتبذير. وفي الآية 27 : إن المسرفين والمنفقين أموالهم في معاصي الله هم أشباه الشياطين في الشر والفساد والمعصية، وكان الشيطان كثير الكفران شديد الجحود لنعمة ربه. وفي الآية 28: وإن أعرضت عن إعطاء الذين أُمِرْتَ بإعطائهم، لعدم وجود ما تعطيهم منه طلبا لرزق تنتظره من عند ربك، فقل لهم قولا ليِّنا لطيفا، كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق، وعِدْهُم بأن الله إذا أيسر من فضله رزقا أنك تعطيهم منه. وفي الآية 29: ولا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير، مضيِّقا على نفسك وأهلك والمحتاجين، ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، فتقعد ملوما يلومك الناس ، نادما على تبذيرك وضياع مالك.
وفي سورة الفرقان - من خلال نفس التفسير الميسر- " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ" من الآية 63، وهم الصالحون، كما يتبين ذلك في الآيات 63 إلى 74 نفس السورة، يستنتج من الصفات الدالة على صلاحهم وحسن سلوكهم أنهم وبصفة عامة متواضعون وطيّبون ومتسامحون وفي صلاتهم ليلا متطوّعون ومن عذاب الله في الآخرة وجلون وإنهم " إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " من الآية 67، أي إذا أنفقوا من أموالهم لم يتجاوزوا الحد في العطاء، ولم يضيّقوا في النفقة، وكان إنفاقهم وسطا بين التبذير والتضييق. وإنهم كذلك، كما في الآيات بعده، لموّحدون ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بما يحق قتلها به، وهم عن الزنى معرضون، كما أنهم لا يشهدون بالكذب ولا يحضرون مجالسه، وإذا مروا بأهل الباطل واللغو من غير قصد مروا منكرين، ولا يرضونه لغيرهم، وإذا وُعِظُوا بآيات القرآن لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها، وإنهم ليسألون الله تعالى أزواجا وذريات بهم تقر أعينهم، ويسألونه كذلك أن يجعلهم قدوة يقتدى بها في الخير، وإن عباد الرحمان الذين مجموع صفاتهم في الدنيا كما يبين الله تعالى يثابون في الآخرة أعلى منازل الجنة، رحمة من الله وبسبب صبرهم على الطاعات، وسيلقون في الجنة التحية والتسليم من الملائكة، خالدين فيها من غير موت، حسنت مستقرا يقرون فيه مقاما يقيمون به، لا يبغون عنها تحولا، وكل هذا بالفعل في سورة الفرقان: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) ".
ومما يؤكد في السنة وجوب جدوى الوسطية والاعتدال، أخذا بالقاعدة الشرعية العامة: لا إفراط ولا تفريط ولا غلوَّ في الدين، ما أُخرجَ في صحيح البخاري وغيره، عن أبي هريرة: " إن الدين يُسْرٌ ولن يُشَادَ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغَدْوَة والرَّوْحَة وشيء من الدُّلْجَة"، ومن خلال فتح الباري، شرح العسقلاني : " الدين" دين الاسلام، " يسر" وسمي كذلك مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصْر – الثِّقل – الذي كان على ما قبلهم، ومن أوضح الامثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم. وهناك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أحب الدين إلى الله الحَنِيفِيَةُ السَّمحة" – رواه الإمام أحمد وغيره- والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، والحنيفية ملَّة ابراهيم، والحنيف في اللغة من كان على ملة ابراهيم، وسمي ابراهيم حنيفا لميله عن الباطل إلى الحق لأن أصل الحنف الميل، والسمحة السهلة، أي أنها مبنية على السهولة، لقوله تعالى : " وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ " ( من الآية 78 الحج) – الحرج كما يقول جمهور العلماء، المشقة، العسر أو الضيق- " ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه" أي لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع، وكل متنطع- من يغالى ويتكلف- في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، آو إلى أن خرج الوقت المختار وغير ذلك، وإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تَنَطُّعٌ، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر، وقوله: "فسددوا" أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل، وقوله : " وقاربوا " أي : إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه، وقوله: " وأبشروا" أي : بالثواب على العمل الدائم وإن قَلَّ، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيما له وتفخيما، وقوله : " واستعينوا بالغدوة" أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة ( بالفتح) سير أول النهار، وقيل : ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، " والروحة" ( بالفتح) السير بعد الزوال " والدلجة" ( بضم أوله وفتحه وإسكان للام) سير آخر الليل، وقيل سير الليل كله، ولهذا عُبِّرَ فيه بالتبعيض، ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه صلى الله عليه وسلم خاطب مسافرا إلى مقصد فنبَّهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع، وإذا تحر السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة. وإن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة، وقوله في رواية ابن أبي ذئب " القصد القصد" والقصد الأخذ بالأمر الأوسط.
وحديث آخر وليس أخيرا فيه كذلك ما يبين أهمية الوسطية والاعتدال في الإسلام، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما، واللفظ للبخاري ( عن أنس بن مالك والمعاني، بين قوسين، من خلال فتح الباري) : جاء ثلاثة رهط (أي ثلاثة جموع من الرجال، كما هو في لسان العرب بوجه عام ) إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها (استقلوها أي رأى كل منهم أنها قليلة) فقالوا واين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غُفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر (والمعنى أن من لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل بخلاف ما حصل له، لكن قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس بلازم، فأشار إلى هذا بأنه أشدهم خشية وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية). قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر واصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي ( أي أعرض عنها إلى غيرها) فليس مني" (ليس على طريقتي/ ملَّتي). وهكذا كما يؤكد جمهور العلماء ومنهم العسقلاني: لا رهبانية في الإسلام وما طريقة النبي صلى الله عليه إلا الحنيفية السمحة، فالتوحيد، التوحيد، ولا مجال للغلو ولا خير في التشدد


تعليقات