top of page

الإستعاذة بالله تعالى مما لا علاقة له مباشرة أو مطلقة بالشيطان

  • صورة الكاتب: أحمد صديق
    أحمد صديق
  • 11 يوليو 2021
  • 10 دقيقة قراءة

إن الاستعاذة بالله وحده لا تكون من الشيطان فحسب، بل كذلك من غير الشيطان، أي من اشياء أخرى معيّنة لا علاقة مطلقة أو مباشرة له بها. وتجليات ذلك حاضرة في أحاديث وفي الآيات التالية.

وهكذا، في الآية 67 البقرة: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) " حيث ذِكرُ قصة البقرة، وتكملتها في الآيات الموالية : " قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) " ، ومن خلال صفوة التفاسير وتفسير الجلالين، في الآية 67: اذكر ( يا محمد) حين قال موسى لقومه – وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، وسألوه أن يدعو الله أن يبيّنه لهم، فدعاه – إن الله يأمركم بذبح بقرة، فكان جوابهم: أتهزأ بنا يا موسى ؟ (حيث تجيبنا بمثل ذلك): قال التجأ إلى الله أن أكون من المستهزئين الجاهلين. وفي الآية 68: لما علموا أنه عزم قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا سنَّ هذه البقرة واي شيء صفتها. قال موسى إن الله يقول إنها بقرة لا مسنّة ولا صغيرة، لم يلقحها العجل، وسطً بين ذلك، فافعلوا ما أمركم به ربكم. وفي الآية 69: قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما لونها ( أبيض، أسود أم غير ذلك)، قال إنه يقول إنها بقرة شديدة الصفرة، تسرُّ كل من رآها. وفي الآية 70: أعادوا السؤال عن حال البقرة ( ثم اعتذروا بأن البقر الموصوف بكونه عَوَانًا وبالصفرة الفاقعة كثيرٌ)، مؤكدين أنهم لم يهتدوا إلى معرفتها (ولو لم يقولوا ذلك لم يهتدوا إليها أبدا كما تبث من الحديث الذي أخرجه الطبري وغيره، عن قتادة وابن جريج : " ولو لم يستثنوا لما بُيّنَتْ لهم لآخر الدهر". وفي الآية 71: قال موسى إن الله يقول إنها بقرة غير مسخَّرة للعمل حراثة للأرض، ولا لسقاية الزرع، سليمة من العيوب، لا لون آخر فيها يخالف صفرتها الشديدة، قالوا بيَّنتها لنا بيانا شافيا لا لبس فيه (نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مسكها ذهبا)، فلغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة ذبحوها وما كادوا يفعلون (ومن نفس الحديث : " لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم، ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم"). وفي الآية 72: إخبار الله تعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة وعما شهدوه من آيات الله الباهرة، قائلا ما معناه: اذكروا يا بني اسرائيل حين قتلتم نفسا فتخاصمتم وتدافعتم بشأنها ( واصبح كل فريق يدفع التهمة عن نفسه وينسبها لغيره)، والله مظهر ما كنتم تخفونه من أمرها ( فهذا اعتراض وهو أول القصة). وفي الآية 73:فقلنا اضربوا القتيل بشيء من البقرة يحيا ويخبركم عن قاتله ( قيل في تفسير الجلالين: ضرب بلسانها أو عَجَبِ ذنبها فحيي، وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ومات، فحرما الميراث وقتلا)، كما أحيا هذا القتيل أمام أبصاركم يحيى الله تعالى الموتى ( من قبورهم)، ويريكم دلائل قدرته لتدبَّروا فتعلموا ان الله على كل شيء قدير ولتؤمنون. وفي الآية 74: ثم صَلُبَتْ قلوبكم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظ ولا تذكير، من بعد المذكور من احياء القتيل (وما قبله من الآيات)، فهي كالحجارة في القسوة أو اشد قسوة منها، وإن من الحجارة لما يتدفَّق منها الأنهار، وإن من الحجارة ما يَتَصَدَّعُ فينبع منه الماء، وإن منها لما ينزل من علو إلى اسفل من خشية الله (فالحجارة منها ما يتصدع إشفاقا من عظمة الله، ومنها ما يتفتت ويتردى من رؤوس الجبال، من خشية الله، فالحجارة تلين وتخشع وقلوبكم يا معشر اليهود لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع)، والله تعالى رقيب على أعمالكم، وإنما يؤخّركم لوقتكم ليجازيكم عليها يوم القيامة .

وفي سياق ذكر قصة نوح في سورة هود (الآيات 26 إلى 48)، وردت الاستعاذة في الآية (47) وفي إطار لها مباشر هو: " وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) " وهكذا، كما في تفسير ابن كثير، استعلام وكشف من نوح عليه السلام، عن حال ولده الذي غرق، " فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي" أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ " قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ " أي: الذين وعدت إنجاءهم، لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: " وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ " (هود، من الآية 40)، فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق، لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحا، عليه السلام.

وبصفة عامة، في صفوة التفاسير، " وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي " اي: نادى نوح ربه متضرّعا إليه فقال: رب إن ابني " كنعان" من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم " وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " أي: وعدك حق لا خُلف فيه " وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" أي: وأنت يا الله أعدل الحاكمين بالحق " قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ " أي: قال له ربه: يا نوح إن ولدك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر ولا ولاية بين المؤمن والكافر " إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ " أي: إن عمله سيء غير صالح " فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ " أي: لا تطلب مني أمرا لا تعلم أَصَوابٌ هو أم غير صواب " إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " اي: إني أنبهك وأنصحك خشية أن تكون من الجاهلين (وقيل في التسهيل لعلوم التنزيل: وليس في ذلك وصف له بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام) "قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ " أي: قال نوح معتذرا إلى ربه عما صدر عنه: ربّ إني أستجير بك من أن أسألك أمرا لا يليق بي سؤاله " وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ " أي: وإلا تغفر لي زلَّتي، وتَتدارَكْنِي برحمتك، أكن ممن خسر آخرته وسعادته.

وفي سورة يوسف صيغة أولى للاستعادة بالله، وذلك من تلبية الدعوة إلى الزنا والوقوع في فخّه : " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) " وهذه، كما في صفوة التفاسير، المحنة الثالثة بعد محنة الجُبّ والاسترقاق، وقد طلبت امرأة العزيز، برفق ولين، من يوسف الذي كان في بيتها، أن يواقعها، وأحكمت إغلاق الأبواب عليها وعلى يوسف، وقالت هلمَّ إلى الفراش فليس ثمة ما يُخْشَى، قال: عياذا بالله من فعل السوء (قال أبو السعود: وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، لما اراه الله من البرهان النيّر على ما فيه من غاية القبح ونهاية السوء)، وإن زوجك، سيدي العزيز الذي أكرمني وأحسن تعهّدي، فكيف أسيء إليه بالخيانة في حَرَمِه، إنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم. ثم اخبر الله تعالى أن امرأة العزيز حاولت إيقاعه في شِراكها، وتوسَّلت إليه بكل وسائل الإغراء، ولولا أن الله جل وعلا حفظه من كيدها لهلك : " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) " وهكذا همت بمخالطته بعزم حازم على الفاحشة والهمُّ منه كان حديث نفس ( كما قيل في صفوة التفاسير كذلك). ومما في تفسير ابن كثير قول بعضهم المراد بهمِّه بها همَّ خَطَرَات حديث النفس، حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم اورد البغوي هنا حديث عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى: إذا همَّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرَّائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، هذا منها. والبرهان الذي رآه فيه أقوال: فعن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح والضحاك، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام، عاضا على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي، عن ابن عباس: رأى خيال الملك، يعني سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق، فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال إطفير سيده، حين دنا من الباب، وقوله : " كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ " اي: كما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره، " إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ " أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.

والصيغة الأخرى للاستعاذة بالله، في سورة يوسف، هي القول بالاستعاذة من أن نأخذ أحدا بجرم غيره، وذلك في الآية (79) والتي وردت في ختام سياق معانيه مكملة بعضها البعض: " وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) " وهكذا كما في تفسير ابن كثير، في الآية 69: يخبر الله تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه، شقيقه بنيامين، فأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والإلطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه، وما جرى له، وعرّفه أنه اخوه، وقال له " فَلَا تَبْتَئِسْ " اي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأَلا يُطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يُبْقيَه عنده، معزّزا مكرّما معظّما. وفي الآيات 70 و 71 و 72: لما جهّزهم وحمّل لهم أبعرتهم طعاما، أمر بعض فتيانه أن يضع "السِّقَايَةَ " وهي : إناء من فضة في قول الاكثرين، وقيل : من ذهب – قاله ابن زيد- كان يشرب فيه، ويَكيل للناس به من عزّة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والضحاك، وعبد الرحمان بن زيد. وقال شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : " صُوَاعَ الْمَلِكِ " قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوكي، وكان للعباس مثلُه في الجاهلية، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم : " أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ " فالتفتوا إلى المنادي وقالوا : " مَاذَا تَفْقِدُونَ" "قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ " اي: صاعه الذي يكيل به، " وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ " وهذا من باب الجعالة ( في صفوة التفاسير المعنى هو: ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعير من الطعام كجائزة له)، " وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ " وهذا من باب الضمان والكفالة ( في صفوة التفاسير وبعبارة أخرى: أنا كفيل وضامن بذلك). وفي الآيات 73 و 74 و 75 و 76 ( من خلال نفس التفسير، لابن كثير): لما اتهمهم أولائك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف : " تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ " اي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة، أنا ما جئنا للفساد في الأرض، وما كنا سارقين، اي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان : " فَمَا جَزَاؤُهُ " اي: السارق، إن كان فيكم " إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ " أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ "قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ "، وهكذا كما في نفس المصدر للتفسير،كانت شريعة إبراهيم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتّشها قبله، تورية ( ومما في صفوة التفاسير: قالوا جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يسترقَّ ويصبح مملوكا لمن سُرِق منه، كذلك نجازي من تعدَّى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في شريعة يعقوب)، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامينن قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة، فإنهم لما ادّعوا البراءة قالوا لهم: لابد من تفتيش أوعيتكم واحدا واحدا، فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين، قال قتادة: ذُكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر وعاء الا استغفر الله مما قذفهم به، حتى بقي أخوه، وكان اصغر القوم، فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا فقالوا: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه اطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه، فذلك قوله تعالى : " ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ " أي: استخرج الصواع من متاع أخيه بنيامين فلما أخرجها منه نكّس الإخوة رؤوسهم من الحياء، واقبلوا عليه يلومونه، ويقولون له: فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل)، " ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ " فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، ولهذا قال : " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ". وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة ( وفي صفوة التفاسير: كذلك صنعنا ودبَّرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده) وقوله: "مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ" أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره (في صفوة التفاسير: ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضِعْفَ ما سرق)، وإنما قيض الله أن ألتزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه تعالى فقال : " نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " ( في صفوة التفاسير نموذجا مرة أخرى، مكمِّلا لما في تفسير ابن كثير : " إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ " أي: إلا بمشيئته تعالى وإذنه، وقد دلت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له، نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا كما رفعنا يوسف)، " وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ " قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم، حتى يُنتهي إلى الله عز وجل. وقال إخوة يوسف لما رأوا الصّواع قد اخرج من متاع بنيامين : " إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " يتنصّلون إلى العزيز من التشبّه به، ويذكرون أن هذا فَعل كما فَعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف عليه السلام. قال سعيد ابن جبير عن قتادة، كان يوسف قد سرق صنما لجدّه، أَب أمه، فكسّره، وقوله : "فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ " يعني الكلمة التي بعدها، وهي قوله : " أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ " ( والمعنى في صفوة التفاسير: انتم شرٌّ منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء والله أعلم بما تتقوّلون وتفترون). ولما تعيَّن أخذُ بنيامين وتقرّر تركُه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له ويُعطفونه عليهم ف " قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا " يعنون: وهو يحبه حبّا شديدا ويتسلى به عن ولده الذي فقده، " فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ " اي بدله، يكون عندنا عِوَضا عنه (فلسنا عند أبيه بمنزلته من المحبة والشفقة) ، " إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " أي: من العادلين المنصفين القابلين للخير ( أتمِمْ إحسانك علينا فقد عوّدتنا الجميل والإحسان) ، "قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ " أي: كما قلتم واعترفتم، " إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ " أي إن أخذنا بريئا بسقيم ( قال نعوذ بالله من أن نأخذ أحد بجرم غيره، إنا إذن نكون ظالمين إن فعلنا ذلك، أو كما في تفسير القرطبي: معاذ الله أن نأخذ البري بالمجرم ونخالف ما تعاقدنا عليه، " إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ " اي أن نأخذ غيره).

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الغني Celui qui se passe de toute chose

( تالع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 88 ) الغني هذا الإسم ورد...

 
 
 
الجامع Le Rassembleur

( تابع ) اسماء الله الحسنى التي يدعى بها ( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 87 ) الجامع والله سبحانه هو...

 
 
 
L’ Equitable

( Suite ) Les Noms Sublimes d’Allah par lesquels Il est Invoqué ( 86 ) L’Equitable Allah « L’Equitable «  signifie selon les Erudits...

 
 
 

تعليقات


ME SUIVRE

  • Facebook Social Icône

© 2020 par ahmed Sadik

bottom of page