الأستعاذة و التعويذ بالله تعالى من الشيطان ومكائده
- أحمد صديق

- 5 يوليو 2021
- 9 دقيقة قراءة
الحيطة كل الحيطة من الشيطان، فلا مناصَّ منها في الأحوال كلها، خاصة وأن من تحذيرات الله تعالى لنا: " يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) " أي، ومن خلال تفسير الفخر الرازي، تحذير الله تعالى بني آدم الاحتزاز عن وسوسة الشيطان فقال: " لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ " فيترتَّب عليه أن لا تدخلوا الجنة، كما فتن أبويكم، فترتب عليه خروجهما منها: " كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ " ، " يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا " حال، اي أخرجهما نازعا لباسهما، واضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتولَّ ذلك لأنه كان بسبب منه، لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند إليه، واللام في قوله " لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا " لام العاقبة، قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم، واختلفوا في اللباس الذي نزع منهما، فقال بعضهم إنه النور، وبعضهم التُّقي، وبعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة، وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس يقتضيه، وتأكيدا للتحذير، قوله: " إِنَّهُ يَرَاكُمْ " يعني إبليس " هُوَ وَقَبِيلُهُ " أصحابه وجنده ( كما قال ابن قتيبة)، وهو ومن كان من نسله (كما قال الليث)، " مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ". ويؤكد الفخر الرازي كذلك: قال أصحابنا: إنهم يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس، " إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ " معناه، كما قال القاضي، هو أنا حكمنا بأن الشيطان وليٌّ لمن لا يؤمن.
والحيطة كل الحيطة من الشيطان، فلا مناصَّ منها في الاحوال والحالات كلها، خاصة كذلك وأن من الحديث، عن أنس بن مالك: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (رواه مسلم وابو داود واحمد وغيرهم)، ومن أقوال العلماء، تفسيرا لهذا الحديث: جعل الله للشيطان قدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه ( هذا القول على ظاهره)، وقيل : هو على الاستعارة لكثرة إخوانه فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه. وقيل كذلك : يلقى وسوسته في مسام لطيفة من البدن، فتصل الوسوسة إلى القلب.
وإن الحيطة المطلقة والمجدية حقا من الشيطان، تتيحها لا محالة الاستعاذة والتعويذ من وساوسه، وما الاستعاذة والتعويذ إلا بالله العزيز الجبَّار، " مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " ( من الآيات 29 الاعراف و 22 يونس و 65 العنكبوت و 32 لقمان و 14 غافر و 65 غافر و5 البينة)، وكما يستنتج من أقوال جمهور المفسرين، صادقين في عبادته، موحّدين إياه فغير مشركين به. والاستعاذة - كما التعويذ- لها وبصفات متكاملة حالات وصيغ.
ومن ذلك الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، عند المبادرة إلى قراءة القرآن: " فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) " ( النحل) أي، كما يستنتج من أقوال جمهور العلماء، عند الإقبال على قراءة القرآن فاستجر بالله: لاجئا إليه ومعتصما به، اتقاء لشر الشيطان المرجوم: المطرود من الجنة ومن السماء، مستحقا اللعنة من الله تعالى، فمبعدا من رحمته، إن الشيطان لا تسلُّط له على المؤمنين المتوكِّلين على ربهم، إنما نفوذه يكون على من يطيعونه والذين هم بالله مشركون. ويلاحظ جمهور العلماء كذلك أن الامر بالاستعاذة في الآية، ظاهره الوجوب، والمراد به النَّدب عند كل قراءة، ولو في الصلاة. والاستعاذة عند قراءة القرآن، ليست وانسجاما مع ما في السورة، آية من القرآن.
ومن سنن الصلاة – كما يُذكَّر بذلك مثلا في مؤلف فقه السنة، لسابق- الاستعاذة، إذ يندب للمصلي، بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة (للفاتحة)، أن يأتي بها، لقول الله تعالى: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ، ويسنُّ الإتيان بها سرا في الرَّكعة الأولى فقط ، وكما احظ جمهور العلماء كذلك. وعن ابن سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل ( هي التهجُّد) كبّر ثم يقول: " سبحانك اللهم وبحمدك ( اي إني أسبحك تسبيحا مقترنا بحمدك) وتبارك اسمك ( أي كثرت بركة اسمك) وتعالى جدك ( أي ارتفع شأنك) ولا إله غيرك"، ثم يقول : " الله أكبر كبيرا" ثم يقول : "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه (والهمز الجنون: ما يحصل من الصرع للناس منه) ونفثه ( والنفث الشعر المذموم في ما حرَّم الله كالدعوة إلى الزنا والخمر وغير ذلك) ونفخه" ( هو نفخ للكِبْر في نفوس الناس) ( رواه أصحاب السنن واحمد).
وهناك صيغة أخرى للاستعاذة بالله تعالى، و هو السميع العليم، ومن أن يصرفك عمَّا أُمِرْتَ به صارفٌ من الشيطان. والصارف هذا نزغ من الشيطان، هو بمثابة وسوسة وتشكيك في الحق، وذلك في سورتين اثنتين ( الأعراف وفصلت) في سياقين متكاملين، منطلقهما وإطارهما العام الحثُّ على الإيمان والتحلِّي بالأخلاق الحميدة. ففي سورة الاعراف أولا: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) "، وهكذا، كما في تفسير القرطبي: في الآية 199، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم هو تأديب لجميع خلقه، وذلك أخذا بالسهل اليسير في معاملة الناس ومعاشرتهم، هذا بالإضافة إلى الأمر بالمعروف، حُسْنُه في الشرع من الأقوال والأفعال وإلى عدم مقابلة الجاهلين بسفههم، بل وجوب الحلم عليهم. وفي الآية 200: وإن يوسوس لك ما يصرفك عن الخير وما يزيّن لك الضلال والمعاصي، فليكن ملاذك الله تعالى ليدفع عنك السوء، وهو السميع للقول، العليم بالفعل. وفي الآية 201: إن المتَّقين إذا حام الشيطان حولهم بهواجسه، موسوسا لهم، تذكروا عقاب الله وثوابه، فإذا هم مبصرون الحق من غيره. وفي الآية 202: وإخوان الشياطين وهم كفرة فجرة، فإن الشياطين تعاونهم بالتزيين لهم سبل الضلال، ثم لا يتهاونون، لا يكفُّون عن إغوائهم.
وفي سورة فصلت ثانيا: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) " وهكذا، في الآية 33: ولا أحد احسن ممَّن دعا إلى توحيد الله وطاعته واقبل على فعل الصالحات واقرَّ، قولا وعملا، أنه من أمة الإسلام، وقيل في مختصر ابن كثير أن هذه الآية عامة في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ولاحظ الزمخشري أن الآية عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث: أن يكون مؤمنا معتقدا لدين الإسلام، عاملا للخير، داعيا إليه، وما هم إلا طبقة العلماء العاملين. وفي الآية 34: ولا يتساوى فعل الحسنة من فعل السيئة، فالجزاء عليهما على طرفي نقيض، المكافأة من جهة والمؤاخذة من جهة أخرى، ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم والإساءة بالعفو أو حسب قول ابن عباس، في تفسير القرطبي مرة أخرى، ادفع بحلمك جهل من يجهلُ عليك، فإذا كان هذا هو سلوكك، سلوك الراغب في الصداقة الخالصة وفي جعلها متبادلَة، فعدوُّك (قد) يصير كالصديق القريب في محبته لك. وفي الآية 35: وما يُؤْتَى الخُصلةَ التي هي أحسن إلا الذين جاهدوا أنفسهم، وما ينالها إلا ذو ثواب عظيم، وهو نصيب وافر من السعادة والخير. وفي الآية 36، كما في الآية 200 السابقة في سورة الأعراف، الاستعاذة بالله في حالة وسوسة الشيطان، ما يصرف عن الخير وما يزيّن الضلال والمعاصي. وفي إطار تلك الآية 36، يتبيَّن أنه إن وسوس إليك الشيطان بالعدول عما رغَّبَتْ فيه الآيات السابقة 33 و 34 و 35، من توحيد واستقامة ودعوة إلى الله وفعل الصالحات وتشبُّت بالإسلام ودفع بالتي هي أحسن، فالجأ إلى الله تعالى، درءا لكيد الشيطان وشره.
ومن جهة أخرى، هناك في سورة المؤمنون صيغة الاستعاذة بالله من همزات الشياطين وأن يكونوا معي في أموري : " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)" وهكذا، حسب جمهور العلماء، ومن ذلك ما في صفوة التفاسير، في الآية 96: ادفع إساءتهم بالصفح عنهم وتجمَّل بمكارم الأخلاق ( مع الإشارة في هذا التفسير إلى ما قال ابن كثير في المختصر: أرشده إلى الترياق النافع في مخالصة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه ليستجلت خاطره، فتعُود عداوتُه صداقةً، وبغضُه محبةً)، نحن أعلم بحالهم وبما يكون منهم من التكذيب والاستهزاء وسنجازيهم عليه. و من خلال ما في تفسير الجلالين ( نموذجا آخر): ادفع ( يا محمد) بالخصلة من الصفح والإعراض عنهم أذاهم إياك (هو السيئة) - وهذا قبل الأمر بالمواجهة مع للمشركين الذين يقاتلونكم - نحن أعلم بما يكذّبون ويقولون فنجازيهم عليه. وفي الآية 97: من التوجيهات الإلاهية، القول – بصدق وإخلاص- إني يا رب اعتصم بحولك وقوتك لألا أكون فريسة للنزغات والوساوس المغرية للشياطين ( جنهم وإنسهم، فكلاهما يزينان الباطل ويغريان بالإقبال على المعاصي). وفي الآية 98: وإني يا رب احتمي بك لالا يخالطوني في شؤوني ( وهم راغبون في إضلالي وإصابتي بالسوء).
وفي السنة هناك المزيد من الأحاديث المتضمّنة لصيغ الاستعادة بالله من الشيطان. ومنها ما روى أبو داود: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: " أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم". وروى مسلم أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنهما، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلْبِسها عليَّ ( أي بوسوسته الْتَبَسَتْ عليَّ القراءة، وشككت في صلاتي) فما الخلاص؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك شيطان يقال له خَنْزَبُ، فإذا أحسسته فتعوَّذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا"، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عنّي( وما بين قوسين، المعاني كما في غاية المأمول للشيخ منصور) .
وحالة التعويذ في القرآن وردت صيغتها في سورة آل عمران : " إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)" وهكذا، كما في تفسير الجلالين: اذكر "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ " حنّة، لمَّا أسنَّت واشتاقت للولد فدعت الله وأحست بالحمل يا "رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ " أن أجعل " لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا " عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس " فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ " للدعاء " الْعَلِيمُ " بالنيات، (وهلك عمران وهي حامل)، " فَلَمَّا وَضَعَتْهَا " ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاما إذ لم يكن يُحرَّر إلا الغلمان " قَالَتْ " معتذرة يا " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ " أي عالم " بِمَا وَضَعَتْ" جملة اعتراض من كلامه تعالى، " وَلَيْسَ الذَّكَرُ " الذي طلبت " كَالْأُنْثَى " التي وُهبَتْ لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا " اولادها " مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " المطرود في الحديث: "ما من مولود يولد إلا مسَّه الشيطان حين يولد فيستهلَّ صارخا إلا مريم وابنها"، رواه الشيخان ( والملاحظ في التفاسير بوجه عام، أن تسمية مريم معناها في لغة بيئتها، الخادمة العابدة لربها. و " يستهل" في الحديث معناه: يرفع صوته بالبكاء)، "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا " اي قبل مريم من أمها " بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام واتت بها أمها الأحبار سَدَنَةَ بيت المقدس فقالت: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم، فقال زكرياء ( وهو زوج خالتها): أنا أحق بها لأن خالتها عندي، فقالوا: لا، حتى تقترع، فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الاردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد أولى بها، فثبت قلم زكرياء فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد لا يصعد إليها غيره. وكان يأتيها بأكلها و شربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تعالى : " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا " ضمها إليه، وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا، والفاعل الله " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ " الغرفة وهي أشرف المجالس " وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى " من اين " لَكِ هَذَا قَالَتْ " وهي صغيرة " هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " يأتيني به من الجنة " إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " رزقا واسعا بلا تبعة.
ومن صيغ التعويذ في السنة: تعويذ الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، كما في صحيح البخاري وعن ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن اباكما كان يعوِّذ بها اسماعيل وإسحاق: اعوذ بكلمات الله التامة ( هي القرآن ومنه الأسماء الحسنى المندوب الدعاء والاستعاذة بها) من كل شيطان وهامَّة ( اي ما يدبُّ، بما في ذلك ذوات السموم كالحيَّات والعقارب) ومن كل عين لامَّة" ( أي الحاسدة والعائنة تصيب بنظرها)، فلما نزلت المعوّذتان أخذ بهما وترك ما سواهما من التَّعويذات (وللمعوذتين طابع عام وكما هو مبيَّن في مبحث خاص بعده، وما بين قوسين هو تفسير جمهور العلماء لما رواه البخاري)، والاستعاذة " بكلمات الله التامات" وردت كذلك في ما اخرج مسلم عن خولة بنت حكيم، رضي الله عنها، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من نزل منزلا فقال: اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك". وبصيغة أخرى وفي نفس السياق، روى ابو داود والترمذي وغيرهما، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضرَّهُ شيء" ولقد روى الترمذي كذللك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلِّم الصحابة هذه الكلمات: " أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشرِّ عباده ، ومن همزات الشيطان وأن يحضرون". وفي السنة ، كما في القرآن، صيغ أخرى للاستعاذة بالله من غير الشيطان، أي من شرور أخرى وبعينها.(موضوع المبحث التالي).


تعليقات