إبراهيم الخليل أب الأنبياء،عليهم السلام (17)
- أحمد صديق

- 2 نوفمبر 2021
- 4 دقيقة قراءة
إبراهيم عليه السلام لم يكتف بمجادلة قومه باللسان، بل كسر أصنامهم ليعوا و ليذكروا أنها لا تتكلم و لا تعلم، فهي غافلة و عجزها بين، فلا تستحق أن تعبد .
و هذا جلي في آيات، منها ما في سورة الأنبياء:
" وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَۖ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَٰذاً اِلَّا كَبِيراٗ لَّهُمْ لَعَلَّهُمُۥٓ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَۖ (58) قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ اَ۬لظَّٰلِمِينَۖ (59) قَالُواْ سَمِعْنَا فَتيٗ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُۖ (60) قَالُواْ فَاتُواْ بِهِۦ عَلَيٰٓ أَعْيُنِ اِ۬لنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَۖ (61) قَالُوٓاْ ءَآنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبْرَٰهِيمُۖ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمُۥٓ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَۖ (63) فَرَجَعُوٓاْ إِلَيٰٓ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمُۥٓ أَنتُمُ اُ۬لظَّٰلِمُونَۖ (64) ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَيٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَۖ (65) ". ومن خلال تفسير البغوي، في الآية 57 " و تاالله لأكيدن أصنامكم " لأمكرن بها ، " بعد أن تولوا مدبرين " أي : بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم. قال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع و عيد و كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبوإبراهيم له : يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه ، وقال إني سقيم ، يقول أشتكي رجلي فلما مضوا نادى في آخرهم و قد بقي ضعفاء الناس،" و تاالله لأكيدن أصنامكم " فسمعوها منه ، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة و هن في بهو عظيم ، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة ، و قالوا : إذا رجعنا و قد بركت الآلهة في طعامنا أكلنا، فلما نظرإليهم إبراهيم و إلى ما بين أيديهم من الطعام ، قال لهم على طريق الاستهزاء ألا تاكلون؟، فلما لم تجبه قال : ما لكم لا تنطقون؟، فراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهن في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله عز و جل و في الآية 58 "فجعلهم جذاذا" أي كسرا و قطع جمع جذيذ، و هو الهشيم " إلا كبيرا لهم " فإنه لم يكسره و وضع الفأس في عنقه، و قيل ربطه بيده و كانت إثنين و سبعين صنما بعضها من ذهب و بعضها من فضة و بعضها من حديد و رصاص و شبة و خشب و حجر، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان، قوله تعالى" لعلهم إليه يرجعون " قيل : معناه لعلهم يرجعون إلى دينه و إلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة و عجزها، و قيل : لعلهم إليه يرجعون فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم رأوا أصنامهم جذاذا.
وفي الآية 59" قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين" أي من المجرمين.
و في الآية 60 " قالوا" يعني الذين سمعوا قول إبراهيم:
" و تالله لأكيدن أصنامكم " ، " سمعنا فتى يذكرهم " يعيبهم و يسبُّهم " يُقال له إبراهيم " هو الذي نضن صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه.
وفي الآية 61 " قالوا فاتوا به على أعين الناس" قول نمرود: جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس،" لعلهم يشهدون " أي يحضرون عقابه و ما يصنع به .
و في الآية 62 - فلما أتوا به - " قالوا" له " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ".
وفي الآية 63 "قال" إبراهيم " بل فعله كبيرهم هذا "
غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن، و أراد بذلك إبراهيم إقامة الحُجَّة عليهم ، فذلك
قوله: " فاسألوهم إن كانوا ينطقون "حتى يخبروا من فعل ذلك بهم. و قال القتيبي : معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، فجعل النطق شرطا للفعل، أي : إن قدروا على النطق قدروا على الفعل،فأراهم عجزهم عن النطق، و في ( ضمنه) أنا فعلت.
و روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله "بل" و يقول:
معناه (فعله) من فعله ، و الأول أصح لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: " لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، إثنتان منهن في ذات الله ، قوله:
" إني سقيم " ( الصافات 89) ، و قوله: " بل فعلها كبيرهم " و قوله لسارة هذه أختي، و قيل في قوله: " إني سقيم " أي : سأسقم، و قيل: سقم القلب أي : مغتم بضلالتكم ، و قوله لسارة : هذه أختي أي في الدين ، و هذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث فيه ، و يجوز أن يكون الله عز و جل أذن له في ذلك لقصد الصلاح و توبيخهم و الاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى أمر مناديه فقال لإخوته: " أيتها العير إنكم لسارقون" (يوسف 70 )، ولم يكونوا سارقين.
و في الآية 64 " فرجعوا إلى أنفسهم " أي فتفكروا بقلوبهم، و رجعوا إلى عقولهم " فقالوا" ما نراه إلا كما قال: " إنكم أنتم الظالمون " يعني بعبادتهم من لا يتكلم
و قيل: أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤالكم إياه و هذه آلهتكم حاضرة فاسألوها.
و في الآية 65 " ثم نكسوا على رءوسهم " قال أهل
التفسير، أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول ، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: " ثم نكسوا على رءوسهم" أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال نكس المريض إذا رجع إلى حاله الأولى، و قالوا:" لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " فكيف نسألهم؟
أ


تعليقات