إبراهيم الخليل أب الأنبياء ، عليهم السلام (1)
- أحمد صديق

- 1 سبتمبر 2021
- 4 دقيقة قراءة
في سورة الصافات، وبعد التذكير بمظاهر من قصة نوح عليه السلام (الآيات 75 إلى 82) بيّن الله تعالى العلاقة المباشرة والوطيدة بين رسالة نوح ورسالة ابراهيم، عليهما السلام وهي علاقة قائمة على التوحيد، وبمنتهى اليقين والاخلاص:
"وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ (83) إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٖ سَلِيمٍ (84) اِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَۖ (85) أَئِفْكاً اٰلِهَةٗ دُونَ اَ۬للَّهِ تُرِيدُونَۖ (86) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ (87) ". وهكذا، مما في تفسير القرطبي، قوله تعالى" وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ" أي، من أهل دينه (قول ابن عباس) أو على منهاجه وسنّته (قول مجاهد)، والشيعة، كما قال الأصمعي الأتباع، وما كان بين نوح وابراهيم إلا نبيّان هود وصالح، وكان بين نوح وابراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة، حكاه الزمخشري، وقوله تعالى: " إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٖ سَلِيمٍ" أي مخلص من الشرك والشك. وقال محمد بن سيرين القلب السليم: الناصح لله عز وجل في خلقه أو أن يعلم أن الله حق وان ساعة قائمة وان الله يبعث من في القبور،" اِذْ قَالَ لِأَبِيهِ" وهو آزر (وهذا الاسم من الآية 75 الأنعام) " وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَۖ"، " أَئِفْكاً" أي أتريدون إفكا، والإفك كما قال المبرّد أسوأ الكذب، وهو الذي لا يثبت ويضطرب، ومنه ائتفكت بهم الأرض "اٰلِهَةٗ" بدل من إفك "دُونَ اَ۬للَّهِ تُرِيدُونَۖ" أي تعبدون. ويجوز أي يكون حالا بمعنى أتريدون آلهة من دون الله آفكين " فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ اِ۬لْعَٰلَمِينَۖ" أي ما ظنكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فهو تحذير، مثل قوله: " مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَ۬لْكَرِيمِ" (من الآية 6 الانفطار). وقيل: أي شيء أوهمتموه حتى أشركتم به غيره ؟
وفي الآية 124 النساء: " وَمَنَ اَحْسَنُ دِيناٗ " أي، كما في تفسير البغوي، أحكم دينا " مِّمَّنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ " أي أخلص عمله لله، وقيل: فوض أمره إلى الله " وَهُوَ مُحْسِنٞ " أي موحّد، أوعامل للحسنات (كما في زبدة التفاسير لمحمد سليمان) " وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ" أي دينه (تفسير محمد سليمان) " حَنِيفاٗۖ" أي مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو الاسلام (زبدة التفاسير) أو بعبارة أخرى مسلما خالصا (البغوي) " وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ"، أي جعله صفوة له وخاصّه بكراماته (محمد سليمان مبينا كذلك الخليل: أقرب أحبتك إليك، الذي تخصه بألفتك، ويخصك بمثلها، وتفضي إليه بأسرارك)، " وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ" أي ومما في تفسير البغوي صفيّا، والخلة: صفاء المودة، ومعنى الخليل كما قال الزجاج، الذي ليس في محبته خلل. والخلة الصداقة، فسُمي ابراهيم خليلا لأن الله أحبه واصطفاه وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، سُمي خليلا أي فقيرا إلى الله لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله عز وجل. والأول كما في تفسير البغوي أصح لأنه قوله " وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ" يقتضي الخلة من الجانبين، ولا يتصور الحاجة من الجانبين.
ومما في تفسير القرطبي، قوله تعالى " وَمَنَ اَحْسَنُ دِيناٗ مِّمَّنَ اَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٞ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاٗۖ"، فضل دين الاسلام على سائر الأديان و " اَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلهِ" معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه للعبادة، قال ابن عباس: أراد أبا بكر الصديق رضي الله عنه " وَهُوَ مُحْسِنٞ" أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب، لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السلام، والملة: الدين، والحنيف: المسلم. قوله تعالى: " وَاتَّخَذَ اَ۬للَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاٗۖ"، قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته وقيل: الخليل من الاختصاص، فالله عز وجل اعلم، اختص ابراهيم في وقته للرسالة. واختار هذا النحاس قال: ودليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم " وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا" يعني نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: " لو كنت متخذا خليلا لأتخذت أبا بكر خليلا" أي لو كنت مختصا أحدا بشيء لاختصصت أبا بكر رضي الله عنه، وفي هذا رد على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص بعض أصحابه بشيء من الدين (إنتهى مما قيل في تفسير القرطبي).
ومن الصيغ التي تجمع بين شقي الحديث، تأكيدا لما ذكّر به في تفسير القرطبي، ومزيدا في البيان والتوضيح، ما رواه مسلم، عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إني أَبْرَأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ ابراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا". ومما قاله الامام النووي في شرح مسلم: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" أي أمتنع من هذا وأنكره، والخليل هو المنقطع إليه، وقيل: المختص بشيء دون غيره، قيل: مشتق من الخَلة بفتح الخاء، وهي الحاجة، وقيل الخُلة بضم الخاء، وهي تخلل المودة في القلب، ينفي صلى الله عليه وسلم أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى. وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغيره. ومن أقوال العلماء، كإبن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم، يستنتج أن الخُلة لله سبحانه هي أعظم مقامات العبد، وهي أرفع من مقام المحبة، والخلة تبثت لمحمد وابراهيم عليهما السلام.
ومحبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له تبثت، كما يتبين ذلك من عدة آيات في القرآن. ومن ذلك الآية 31 آل عمران: " قُلِ اِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَ۬للَّهَ فَاتَّبِعُونِے يُحْبِبْكُمُ اُ۬للَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْۖ وَاللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞۖ " وكما في التفاسير، الآية فيها الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بقول ما فيها، وفيها أن محبة الله تعالى تقتضى اتباع رسوله، والله غفور لذنوب عباده المؤمنين ورحيم بهم.
ويؤكد جمهور العلماء أن المحبة عامة والخلة خاصة، أو كما قال الشيخ العثيمين، خليل الله متضمن للمحبة وزيادة لأنه غاية المحبة، ولا شك وكما هو شائع عند الناس أن محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، لكن له وصف أعلى من ذلك، لا يهضم له حقه: فهو خليل الله. وفي شرح الطحاوية – معلِقا على كلام الطحاوي: وحبيب رب العالمين- قال الشيخ الألباني: بل هو خليل رب العالمين، فإن الخلة أعلى مرتبة من المحبة واكمل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا"، ولذلك لم يثبت في حديث أنه صلى الله عليه وسلم، حبيب الله (فمما روي عن عبد الله بن عباس: " وأنا حبيب الله ولا فخر" يعتبر جمهور العلماء أنه ضعيف، وقد ضعّفه الألباني خاصة، في ضعيف الترمذي).


تعليقات