أصحاب الجنة أهل يُمن يتحابون و أصحاب النار قوم شُؤم يتخاصمون
- أحمد صديق

- 13 مارس 2021
- 5 دقيقة قراءة
" أَصْحَابُ الْجَنَّةِ" و " أَصْحَابُ النَّارِ" ورد ذكرهم في العديد من الآيات. واصطلاح "أَصْحَابُ النَّارِ" رديفه اصطلاح " أَصْحَابِ الْجَحِيمِ " (وهو من الآيات 10 و 86 في سورة المائدة و 51 في سورة الحج). واصطلاح " أَصْحَابِ السَّعِيرِ " (وهو من الآيات 6 في سورة فاطر و 10 و 11 في سورة الملك). ولوحظ أن ألفاظ " النَّارِ " و " الْجَحِيمِ " و "السَّعِيرِ " ليست مرادفة لبعضها البعض فحسب، وإنما كذلك لألفاظ " جَهَنَّمَ " و"الْحُطَمَةِ" و "سَقَرٍ " و " هَاوِيَة " (الوارد ذكرها في القرآن)، وقيل كذلك إن هذه الألفاظ السبع الأخيرة دالة على طبقات في النار، أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم.
وعلى أي، جدير بالتذكرة والتذكير أن الجنة درجات أعلاها الفردوس (كما في الآية 107 سورة الكهف وفي الآية 11، سورة المؤمنون السالفة الإشارة إليهما في المبحثين قبله) وهي للمؤمنين العاملين بما يرضي الله تعالى، والذين هم صادقون وملتزمون مع ربهم، وأن النار دركات، أسفلها للمنافقين الذين لم يرجعوا عن غيّهم، تائبين ومصلحين ومعتصمين بالله ومخلصين دينهم له سبحانه (هذا، كما في الآية 145، سورة النساء، المشار إليها بدورها في المبحث قبله).
ولقد " حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره" (حديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وأخرجه مسلم وأحمد والترمذي عن أنس)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك : " سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يُدخل أحدَكم الجنة عملُهُ" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال : " ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة" (أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، عن عائشة ). وعن عمر بن الخطاب: " ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (أخرجه مسلم وأحمد وأبو داوود).
وفي الحديث القدسي: " قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (عن أبي هريرة، واخرجه البخاري ومسلم واللفظ له). وعن النار الحديث: " أترونها حمراء كناركم هذه؟ لهي أسود من القار" (رواه مالك في الموطأ).
وفي القرآن الكريم، ما " أَصْحَابُ النَّارِ " الأشقياء إلا " أصحاب المشئمة" (من الآية 41 في سورة الواقعة و 19 في سورة البلد)، وهم أصحاب الشؤم أو ناحية الشمال، و"أَصْحَابُ الشِّمَالِ " (من الآية 41 في سورة الواقعة) وهم من يعطون كتبهم بشمائلهم. وأما السعداء،" أَصْحَابُ الْجَنَّةِ "، فهم " أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ " (من الآيتين 8 في سورة الواقعة و 18 في سورة البلد)، أي أصحاب اليُمْن أو ناحية اليمين. و " أَصْحَابُ الْيَمِينِ " (من الآيات 27 و 90 و 91 في سورة الواقعة و 39 في سورة المدثر)، فهم من يؤتون كتبهم بأيمانهم. وما " أَصْحَابُ الْيَمِينِ " أو " أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ " كذلك – كما في تفسير القرطبي- إلا أهل الحسنات أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة أو الذين أُخذوا ما شُق آدم الأيمن. و " أَصْحَابُ الشِّمَالِ " أو " أَصْحَابُ المشئمة " ما هم كذلك – كما في نفس التفسير- إلا أهل السيئات أو الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار أو الذين أخذوا من شق آدم الأيسر.
وإن المؤمنين لمؤهلون ليكونوا شهداء على الناس لدرجة تقييم وفرز الخير أو الشر من لدنهم، الموجبَيْنِ وعلى التوالي لولوج الجنة أو النار. والدليل على ذلك ما في الآية والحديث التاليين : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (من الآية 143، سورة البقرة) بمعنى (كما في تفسير القرطبي) كذلك جعلناكم عدلا، وكانوا خيارا، عدولا (متوسطين معتدلين) شهدوا على الناس (أو شهدوا على الأمم يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم، أو كما قيل كذلك يشهد بعضكم على بعض بعد الموت)، ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم. وفي الحديث الصحيح، عن أنس بن مالك (وقد رواه البخاري ومسلم) : مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبت"، ثم مروا بأخرى، فأثنوا شرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" وجبت"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله : ما وجبت ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " هذا أثينتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليها شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
وفي سورة الصافات (ومن خلال التفسير الميسّر، نخبة من العلماء / المدينة): هناك من يعتبرون " عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ " (من الآية 40)، فهم عباد الله تعالى الذين أخلصوا له العبادة، فأخلصهم واختصّهم برحمته، فإنهم ناجون من العذاب الأليم، " وَهُمْ مُكْرَمُونَ " (من الآية42)، " فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ " (الآية 43)، أي وهم مكرمون بكرامة الله لهم في جنات النعيم الدائم، وإنهم من قال الله تعالى كذلك، في شأنهم (نفس السورة) " فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ " (الآية 50)، أي فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم في الدنيا وما كانوا يعانون فيها، وما أنعم الله به عليهم في الجنة، وهذا من تمام الأنس. وعلى النقيض من هؤلاء السعداء (في نفس السورة)، هناك المشركون المكذبون والمستهزئون بدين الله، أَمَر الله تعالى "احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)" أي : ويقال للملائكة أجمعوا الذين كفروا بالله ونُظَرائهم وآلهتهم التي كان يعبدونها من دون الله، فَسُوقوهم سُوقًا عنيفا إلى جهنم، وفي الآية 27 (نفس السورة) قال الله تعالى عن هؤلاء الأشقياء كذلك "وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ "، لكن المعني هنا يختلف تماما عما في الآية 50 قبله، حول السعداء في الجنة، فالمعنى في الآية 27: واقبل بعض الكفار على بعض يتلاومون ويتخاصمون.
ومما يؤكد تخاصم أهل النار، وهم أعداء مخذولون (والمعاني في نفس التفسير الميسر) : "قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) " (الشعراء)، اي: قال الكفار معترفين بخطئهم وهم يتنازعون في جهنم مع من أضلوهم، تا الله إننا كنا في الدنيا في ضلال واضح لا خفاء فيه، إذا نسويكم برب العالمين المستحق للعبادة وحده، وما أوقعنا في هذا المصير السيء إلا المجرمون الذين دعونا إلى عبادة غير الله فاتبعناهم.
وفي سورة ص: " هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) " اي وعند توارد الطاغين على النار يشتم بعضهم بعضا، ويقول بعضهم لبعض: هذه جماعة من أهل النار داخلة معكم، فيجيبون: لا مرحبا بهم، ولا اتسعت منازلهم في النار، إنهم مقاسون حر النار كما قاسيناها، " قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60)" أي قال فوج الأتباع للطاغين: بل أنتم لا مرحبا بكم، لأنكم قدمتم لنا سُكْنى النار لإضلالكم لنا في الدنيا، فبئس دار الاستقرار جهنم، " قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)" أي قال فوج الأتباع: ربنا من أضلنا في الدنيا عن الهدى فضاعف عذابه في النار ، " وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63) " أي وقال الطاغون: ما بالنا لا نرى معنا في النار رجالا كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار الأشقياء؟ هل تحقيرنا لهم واستهزاؤنا بهم خطأ، أو أنهم معنا في النار، لكن لم تقع عليهم الأبصار، " إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) " إن ذلك من جدال أهل النار وخصامهم حق واقع لا مرية فيه.
وبصفة أعم، من خلال نفس التفسير الميسر، الأصدقاء على معاصي الله في الدنيا يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، لكن الذين تصادقوا على تقوى الله، فإن صداقتهم دائمة في الدنيا والآخرة. فهذا هو معنى الآية (67) في سورة الزخرف: " الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ "
واستنادا إلى نفس التفسير، إن الذين اتقوا الله بامتثال ما أمروا واجتناب ما نهى، في بساتين وأنهار جارية يقال لهم: ادخلوا هذه الجنات سالمين من كل سوء آمنين من كل عذاب. ونزعنا ما في قلوبهم من حقد وعداوة، يعيشون في الجنة إخوانا متحابين، يجلسون على أسرة عظيمة، تتقابل وجوههم تواصلا وتحاببا، لا يصيبهم فيها تعب ولا إعياء، وهم باقون فيها أبدا، وهذا هو معنى الآيات (سورة الحجر): " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) "


تعليقات