أشراط الساعة الصغرى، ومنها ما قد تأكدت تجلياتها عالميا
- أحمد صديق

- 12 أبريل 2021
- 10 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 6 أكتوبر 2021
في الآية 18 (سورة محمد) ومن خلال زبدة التفسير (د.محمد سليمان عبد الله الأشقر): "فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ " أي القيامة " أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً " أي فجأة " فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُها " أي أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الانبياء، فبِعثته من أشراط الساعة وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالوسطى والسبابة). " فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ " أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟ حينئذ يكون قد فات الوقت للتذكير، (ومما في تفسير البيضاوي: " فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ "، والمعنى إذ تأتيهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها كمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وانشقاق القمر فكيف لهم " ذِكْرَاهُمْ" ، أي تذكرهم " إِذَا جَاءَتْهُمْ " الساعة بغتة، وحينئذ لا يفزع لهم ولا ينفع، ومما في التفسير الوجيز للزحيلي يستنتج أن اهل مكة وهم على حالهم من النفاق والكفر هم المعنيون – مباشرة- بالتساؤل، في مطلع الآية: فهل ينتظرون غير مجيئ القيامة؟)
وإن الأدلة من السنة كثيرة على أشراط الساعة وأماراتها، وكما يلاحظ العلماء، من اشراط الساعة الصغرى (اي أولاها أو ما هو بعيد نسبيا عن قيام الساعة)، وفي طليعتها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر. وقال القرطبي، وهو يتحدث عن أشراط السعة، أوَّلها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي. وقال الحافظ ابن حجر في تفسير الحديث " بعثت أنا والساعة كهاتين" فقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه (نسبيا) من الساعة كقرب السبابة من الوسطى.
وفي سورة القمر: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) "، أي ومما في تفسير البغوي " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ " دنت " وَانْشَقَّ الْقَمَرُ "، عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك، " وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ " اي ذاهب وسوف يذهب ( هذا قول مجاهد وقتادة) أو قوي شديد يعلو كل سحر (قول أبو العالية والضحاك)، " وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ " أي كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زيَّن لهم الشيطان من الباطل، "وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ "، قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف، وقال قتاد: كل أمر مستقر، فالخير مستقر بأهل الخير (والشر مستقر بأهل الشر)، وقيل الخير مستقر بأهل في الجنة والشر مستقر بأهله في النار.
وأشراط الساعة الصغرى منها، كما يستنتج عامة من أقوال العلماء، ما يحصل أو يتكرر أو تتزايد حدته بين الاشراط الكبرى- هي الأخيرة- ومن خاصياتها تواليها وتسارع وتيرتها، ومنها كذلك ما قد يعتبر – والله أعلم أشراطا متوسطة، ومن اشراط هذه الساعة الصغرى - ـ أو المتوسطة- كذلك/ والتي وردت في إطار أحاديث (مشار إلى رواتها بين قوسين): "فتح بيت المقدس" (البخاري، وهو فتح حصل في عهد عمر بن الخطاب) و "فتح القسطنطينية"، أي أسطمبول (مسلم، وهو فتح في عهد محمد الفاتح/ الإمبراطورية العثمانية، في( 857 هـ/1453 م)، و"ظهور الفتن" (أحمد وأبو داود والحاكم)، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي أخرجه مسلم : " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن"، و "ضياع الأمانة" بإسناد الأمر إلى غير أهله (البخاري)، و "ظهور كذّابين مدعين النبوة" (البخاري)، و"كثرة الهرج" بمعنى "القتل" (مسلم)، و "كثرة الزلازل" (البخاري)، و "شهادة الزور وكتمان شهادة الحق" (أحمد)، و "أن تلد الأمة ربتها أو ربها" (البخاري ومسلم) و "التطاول في البنيان" (مسلم))، و "التباهي في المساجد" و "زخرفتها" (أحمد وابن حبان)، و " ذهاب أهل الدين وهيمنة من لا خير فيهم" (أحمد) و "ظهور الفُحش والتفاحش و قطيعة الرحم وسوء المجاورة" (أحمد) و "انتشار الشرك الأكبر والاصغر في الأمة" (الترمذي والحاكم)، و "انتشار القيان والمعازف وشرب الخمور" (الترمذي)، و "ظهور الكاسيات العاريات" (مسلم) و" رؤيا المسلم لم تكد تكذب" (البخاري ومسلم) و "عودة أرض العرب مروجا وأنهارا" (مسلم).
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن من أشراط الساعة الصغرى، (أو الوسطى) كثرة المال، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة ويُدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه"، ولعل في هذا الحديث إشارة إلى ظاهرة التضخم (ارتفاع المستوى العام للأسعار)، والتي لم تكن معروفة أو بارزة تماما قبل مطلع العصور الحديثة)، وهي ظاهرة أصبح التحكم فيها، في العقود الأخيرة (كما تفاقم البطالة) قد تؤول الأمور معها إلى الإخلال اجتماعيا بالتوازن والإنصاف، واقتصاديا إلى الكساد والتقهقر.
هذا بالإضافة إلى أشراط أخرى للساعة قد تحيل على ما اصبح يتأكد أكثر في العالم وبصفة خاصة، منذ نهاية القرن الرابع عشر الهجري ومطلع القرن الخامس عشر الهجري (نهاية القرن العشرين وبداية القرن والواحد والعشرين الميلاديين)، ومنها الأشراط المعلن عنها في الأحاديث التالية:
" لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضَّرمة بالنار" (الترمذي)، وكالضرمة بالنار أي مثلها في سرعة ابتدائها وانقضائها، والضَّرمة هي ما يوقد به النار أولا كالكبريت والقصب.
" لا تقوم الساعة حتى تتقارب الأسواق" (أحمد)
" إن بين يدي الساعة فُشُّوا التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة.... وفُشَّوا القلم " (البخاري)، ومن الحديث الذي رواه النسائي : " إن من أشراط الساعة أن يفشوا المال ويكثر وتفشوا التجارة ويظهر العلم "
" بين يدي الساعة يظهر الربا" (رواه الطبري كما في الترغيب والترهيب للمنذري) و " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام " (البخاري)
وهكذا، لعل في تقارب الزمان وتقارب الأسواق وفشوا العلم وظهور القلم – دالين على المزيد من اكتساب المعارف والمتيحين المزيد من الابتكارات التقنية- ومع الأخذ في الاعتبار كثرة المال وظهور الفتن، الإشارة إلى ما قد يصطلح على تسميته ب تسارع خطى التاريخ المعْلِنة- والله أعلم- ، إن آجلا أو عاجلا على نهايته (ونهاية التاريخ لا بمفهوم سيادة نظام اقتصادي على آخر وكما قيل، لكن ربما بمفهوم قيام الساعة)، فما تسارع خطى التاريخ وبإيجاز إلا الظاهرة- المبرهن عنها بالأبحاث العلمية والمعيشة تجلياتها في الواقع الراهن - التي مؤداها وفي آن واحد الأهمية المتزايدة للمنجزات الاقتصادية في فروع الصناعات والفلاحة والخدمات، والوطأة الأكبر ثقلا للتحديات المجتمعية. وبعبارة أخرى، إنا ما أنجز من تجهيزات وما أنتج من سلع وخدمات خلال العقود الأخيرة (وفي القرن المنصرم ومع بداية القرن الحالي) يفوق بكثير ما أنجز وأنتج الإنسان في تلك المجالات، منذ قرون خلت، وإن ما اصبحت المجتمعات الإنسانية عرضة له - راهنا- من تحديات (بطالة واختلالات المناخ والبيئة الطبيعية وبصفة شبه مستدامة...) لم تكن في حقب التاريخ البعيد المدى – وعلى الاقل بنفس الحدة- من الهواجس الكبرى أو التي يتقاسم همومها - ولو بدرجات متفاوتة شيئا ما- كافة سكان المعمور.
وهكذا كذلك، لعل في تقارب الزمان وتقارب الاسواق وفشوا العلم وظهور القلم وكثرة المال (بمعنى وفرته وجاهزيته لتمويل التقدم التقني) ما فيه لإشارة إلى الثورة العلمية والتكنولوجية اي ما يطلق عليه كذلك تسمية الثورة الصناعية في طورها الثالث، وذلك تدريجيا منذ حوالي مطلع القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) وبصفة أكبر بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ثورة علمية وتكنولوجية تبلورت بعد الثورة الصناعية التقليدية التي انطلقت في العالم الغربي، في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين (أي ما يطابق تقريبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين)، والمرحلة الاولى للثورة الصناعية قامت أساسا على استغلال الفحم الحجري، كمصدر أول للطاقة، وعلى صناعة النسيج، ومرحلتها الثانية مكنت مثلا من إنجاز الشبكات الأولى للنقل بالسكك الحديدية (القطارات التقليدية)، وإنتاج السيارات الخفيفة والقليلة الحمولة، أما المرحلة الثالثة والتي لا زالت حلقاتها تتواصل، ولا زالت ابتكاراتها ومنتوجاتها تتطور، فإنها تقوم على الاستهلاك المتزايد للنفط والغاز الطبيعي واليورانيوم وللطاقات البديلة المتجددة، وعلى المجمَّعات الصناعية الكبرى وعلى المقاولات متعددة الجنسيات وعلى تطوير الطائرات وغزو الفضاء وعلى التلفزة والهواتف الثابتة، وهاته المرحلة الثالثة، مرحلة الثورة العلمية والتكنولوجية ، من إفرازاتها كذلك ومنذ حوالي سبعة عقود، ما يصطلح على تسميته بالتكنولوجيات الجديدة للإعلام والتواصل، وقنوات فضائية للتلفزة وشبكات الحواسيب (الانترنيت) وهواتف نقالة، وغير ذلك، وهاته الأدوات الناقلة بصفات سريعة وآنية للأخبار والمعلومات والمعارف والميسِّرة للتواصلات الفورية على اختلافها، دالة بالفعل على تقارب الزمان (متيحا حتما تقارب المسافات، ومنه تقارب الاسواق)، ولولا وفر الإمكانيات المادية (كثرة المال) وفشوا العلم وظهور القلم. - البحث العلمي نظريا ثم تطبيقيا – ومشار إليها في الحديث، لما تسنى إنجازها وشيوع استغلالها من لدن الأفراد (العائلات) والجماعات (المقاولات والإدارات). فياله من إعجاز علمي في الحديث وهو يبرز أن من اشراط الساعة تقارب الزمان وتقارب الأسواق وفشوا العلم وظهور القلم وكثرة المال !!!
وبصفة أعم وأكثر دلالة، إن هاته الاشراط ، فيها على ما يبدو- والله أعلم- تلميحات إلى الظاهرة الكونية الاشمل، ومنذ الخمس العقود الأخيرة على الاقل، ألا وهي ظاهرة "العولمة" بما لها وما عليها، وهي ظاهرة لا تشكل فيها التكنولوجيا الجديدة للإعلام والتواصل الآنفة الذكر إلا جزءا من إشكالية أعقد وأكبر. بالفعل وبإيجاز، العولمة- وقد أصبح معها العالم، وكما يقال بمثابة "قرية صغيرة" – لها مظاهر أساسية ومرتبطة في ما بينها.
فالعولمة ومن مسبباتها، كما من إفرازاتها أولا، تزايد تدفقات الواردات والصادرات بين أقطار المعمور، والتي أصبحت اقتصادياتها كلها- ولو بدرجات متفاوتة- تتسم، كما يقال ب " الدرجة الكبيرة والمتزايدة للانفتاح على الاسواق الخارجية"، أو ليس في هذا المصطلح على تسميته كذلك ب الاندماج التجاري للأسواق الخارجية، دلالة على فشوا التجارة وعلى تقارب الأسواق المذكورين في الحديث؟
والعولمة، ومن مسبباتها كما من إفرازاتها ثانيا، التطوير والتبادل والاستغلال – بصفات متزايدة في العالم- لأدوات وآليات التقدم التكنولوجي، في عمليات الإنتاج الفلاحي والصناعي والخدماتي، بما في ذلك مجالات الإعلام والتواصل، أو ليس مرة أخرى، في هذا المصطلح على تسميته ب " الاندماج التكنولوجي عالميا" دلالة إضافية على فشو التجارة وعلى تقارب الأسواق ودلالة كذلك على فشو العلم وعلى كثرة المال وعلى تقارب الزمان؟
والعولمة ومن مسبباتها كما من إفرازاتها ثالثا، تحديات مجتمعية مختلفة تهدد التوازنات فيما بين الناس والأقطار- ومنها ما قد يهدد في نهاية المطاف، الحياة في الأرض- من فقر وعنف، وإرهاق عصبي ونفسي وتلوث للبيئة بما في ذلك إفساد التربة الفلاحية، وتلوث الماء الذي هو عصب الحياة، وتدهور المناخ .....، ولها ارتباطات ما بالتفاوتات أو بالحدة المتزايدة للتصنيع وللتخطيط غير المحكم للحياة في المدن و في القرى، ولحالات العمل المضني في الأوراش وفي وحدات الإنتاج.... أو ليس في هذا، مرة أخرى، وليست أخيرة، دلالة على ما ورد في الحديث حول الفتن والهرج والتطاول في البنيان وهيمنة من لا خير فيهم والفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة!؟، هذا بالإضافة إلى التذكرة والتذكير بما في الآية 41 (الروم) وفي الآية 45 (فاطر).
ففي الآية 41 (الروم): " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) " أي، وكما في التفسير الوجيز للزحيلي: ظهر الخلل في الأشياء كالجذب والقحط والحرق والغرق والمرض والقلق وتسلط الأعداء بسبب معاصي الناس وذنوبهم، ليذيقهم جزاء بعض ما عملوا في الدنيا قبل عقاب الآخرة، ليرجعوا عما هم عليهم من المعاصي ويتوبوا من الذنوب (ومما في تفسير القرطبي " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " ، (قال قتادة والسدي: الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد، وقال ابن عباس: هو نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا). ومن جهة أخرى، ما دام القرآن قد يفسره الزمان وكما يقول العلماء، ظهور الفساد في البر والبحر قد تكون فيه كذلك وبصفة خاصة إشارة إلى التلوث البيئي وإلى بوادر أو مخاطر استنزاف الموارد الطبيعية غير المتجددة، والتي أصبح صعبا إعادة تجديدها، كالنفط والمنتوجات الغابوية، وأصناف من الأسماك.
وفي الآية 45 (فاطر): " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) " اي وكما في تفسير البغوي " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا " ، من الجرائم " مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا " يعني الأرض، كناية عن غير مذكور " مِنْ دَابَّةٍ " كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح " وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) " قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته. (ومما في تفسير البيضاوي : " بِمَا كَسَبُوا " من المعاصي " مِنْ دَابَّةٍ " من نسمة تدب- على ظهر الأرض- بشؤم معاصيهم- أي الناس، وقيل المراد بالدابة الإنس وحده " وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " هو يوم القيامة " فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا "، فيجازيهم على أعمالهم).
والعولمة من مسبباتها كما من إفرازاتها رابعا، ما يصطلح على تسميته ب " الطابع الكوني للتمويل" وبمعنى البعد العالمي للتدفقات المالية والنشاط المتزايد في الاسواق المالية الدولية (اي المصافق= البورصات العالمية)، وإنها أسواق تنشط في حظيرتها أو بالارتباط معها مصارف (بنوك) مختصة في تعبئة العملات الصعبة وتمويل المشروعات الضخمة، مباشرة أو عن طريق منح القروض بصفة تضامنية مع مثيلاتها، ولفائدة الشركات الكبرى أو العابرة للقارات أساسا، وفي هاته الاسواق المالية الدولية – المتمركزة في الاقطار الصناعية الكبرى، أو التي برهنت على أنها حققت ارتقاءها الاقتصادي، في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وجنوبي شرق آسيا....- يتم وبوسائل معلوماتية فعالة وبالغة السرعة في الإنجاز، تحديد أسعار الصرف للعملات " القوية" كالدولار والين والاورو والجنيه الأسترليني، كما يتم تداول (بيع وشراء) الأسهم (سندات المساهمة في رؤوس أموال الشركات الكبرى)، وتداول سندات الاقتراض (المدرَّة لأرباح مضمونة على اساس سعر للفائدة، بينما الاسهم قد تدر لمكتتبيها ربحا وقد تجعله كذلك يتحمل خسارة، اعتبارا لنتيجة الاستغلال الإيجابية أوالسلبية في الشركة). وفي الأسواق المالية الدولية، الملاحظ كذلك فيها الابتكار المتزايد في تقنيات وأدوات التمويل وذلك من أجل الحد من المخاطر الناجمة عن تقلبات أسعار الصرف وأسعار الفائدة. والأساليب المعتمدة في هذا الصدد- لكن ليس دوما بالجدوى المتوخاة- هي اللجوء إلى إبرام عقود بين الدائنين والمدنيين، وجعل قروض البنوك (أو ما يوازيها : مديونية الشركات والخواص) قابلة لإصدار سندات بشأنها وقابلة للتداول. أو ليس في هاته الظواهر الأخرى للعولمة وبدورها ماله علاقات بالأحاديث السالفة الذكر، حول كثرة المال وفشو العلم وتقارب الأسواق وتقارب الزمان؟!.
ولما نأخذ في الاعتبار كذلك ما اشارت إليه الأحاديث حول ظهور الربا وتدهور الأخلاقيات في المعاملات عامة والمالية بصفة خاصة (كأخذ المال، ولو من حرام) نكون لا محالة بصدد الفهم الميسر والاستيعاب الأجدى، لمسببات ولمآلات ما عرف و يعرفه العالم، بين الفينة الأخرى، من أزمات مالية، فكيف ذلك يا ترى، وبالنسبة لأكبر أزمة مالية برزت في بداية هذا القرن الخامس عشر الهجري (القرن الواحد العشرين الميلادي). إنها الأزمة المالية العالمية ( 1429 هـ/2008م) ومن تجلياتها الاساسية تدهور قيم السندات في المصافق (البورصات) الدولية المكونة لشبكة مرتبطة الحلقات، ومنطلق الأزمة في (1428 هـ/ 2007) بالولايات المتحد، كان بسبب إشكال مرتبط فقط بسوق معينة تهم القروض لزبناء، التعامل معهم فيه مخاطرة بالنسبة للمقرض الذي وبالمقابل يستلزم من المقترض تحمل سعر فائدة مرتفع نسبيا، إنها بالضبط قروض عقارية مضمونة بالرهن على مسكن المقترض وعلى أساس سعر متغير في السنوات اللاحقة. وهذا الصنف من القروض عرف توسعا، ما بين 1422 هـ/ 2001 م و 1427 هـ/2006م، استفادت منه شرائح مجتمعية لم تكن في وضعيات اقتصادية تجعلها وباستمرار قادرة على الوفاء بتسديد ديونها. وهاته القروض مُنحت أساس من خلال هيئات السماسرة التي لم تكن خاضعة إلا نسببا للتقنين والرقابة المالية.، ولقد كان المانحون لها يتوقَّعون التزايد المتسارع والمستديم لقيم العقارات (موضوع الرهن لفائدتهم)، وفي حالة إخلال المقترضين بالتزام أداءتهم كان متَيسَّرا للمقرضين إعادة بيع المساكن المرهونة. وقد لجأت المصارف وهيئات الإقراض المختصة إلى استصدار سندات- قابلة للتداول (البيع والشراء في المصافق/ البورصات)- هي عبارة عن شهادات إثبات لقيم هاته العقارات. والملاحظ كذلك أن اسعار الفائدة المتغيرة على تلك القروض العقارية تزايدت، وهي المرتبطة بسعر الفائدة المرجعي لنظام الاحتياطي الفيديرالي أي البنك المركزي، وقد ارتفع عدة مرات ليبلغ 5.25% في 2006، بينما كان في حدود 1% فقط حوالي سنة 2003. وهكذا تزايد لدى المقترضين العجز على الوفاء بتسديد ديونهم وهم أصلا، في مجملهم، ذوو دخل ضعيف أو متوسط، كما توقفت ثم تباطأت، والحالة هاته، الزيادات في قيم العقارات، فتراجعت قيم سندات العقار المرهون. ولقد تعرضت عندئذ بعض المؤسسات المالية والبنوك في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة - وقد كانت وبمعية هيئات أوروبية اساسا تنشد الإرباحية في أسواق السندات العقارية المرهونة- لمخاطر النقص في السيولة أو القابلية على الوفاء بالتزاماتها وبدورها. ولقد بلغت الخسائر المرتبطة بأزمة قروض العقار المرهون مئات الملايير من الدولارات سنويا، وتزايدت حالات الإفلاس أو المبيعات المستعجلة للأصول المالية، لدى بعض البنوك وهيئات التأمين المرموقة. وما بين 1429هـ/ 2008م – 1432 هـ/2011م، آلت الأمور وبموازاة ما في الأزمة نفسها- إلى بروز اختلالات في الاقتصاد، إنتاجا وتداولا للسلع والخدمات واستهلاكا لها (أزمة في الاقتصاد الكِبْرِي عالميا ونظرا لتأثير التمويل على النشاط الاقتصادي وللارتباطات الفورية والمتعددة المظاهر بين كبريات الأسواق والمصافق المالية بوجه خاص وفي نطاق العولمة). وعلى ضوء هذا التقديم الموجز والبيِّن قدر المستطاع لطبيعة هاته الأزمة المالية، التساؤل الاساس المطروح هو: أليست معدلات الفائدة الربوية والتي ثقلها الأكبر تشعر به وتتحمله خاصة الفئات المجتمعية الضعيفة أو المتوسطة الدخول، هي السبب الرئيسي في نشأة وتفاقم تلك الازمة!؟: بلى، وفي الحديث السالف الذكر نبذ الربا.
ولو تذكرنا طبيعة المالية الإسلامية ، وقد وردت في شأنها العديد من الأحاديث وجعلتها تلك الأزمة المالية محط اهتمام متزايد من لدن الخبراء في العالم وعلى اختلاف مشاربهم، مقرين في مجملهم بجدواها لتبيَّنَتْ لنا، وكما أثبتت الدراسات العلمية ذلك، أنها الحل لتفادي ما من شأنه إطلاق زمام تلك الأزمات (ومن سمات المالية الإسلامية التحفيز على المبادرة بالاستثمار المنتج والمباشر بصيغ فردية أو تضامنية، توكلا على الله تعالى والتزاما بأوامره وتفاديا لنواهيه، في المعاملات، كما في العبادات).


تعليقات