رحمة الله تعالى منة وعدله نافذ
- أحمد صديق

- 3 أبريل 2021
- 10 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 16 أكتوبر 2021
إن الله سبحانه وتعالى هو " الرَّحْمن الرَّحِيم" كما في البسملة (في سورة الفاتحة وباقي السور، باستثناء سورة التوبة وبإجماع القراء، وفي الآية 30 سورة النمل). ومعنى "الرَّحْمن " كما يقول العلماء، المانح رحمته العامة في الدنيا، لتشمل المؤمن والكافر على حد سواء، وكونه سبحانه " الرَّحِيم"، معناه أن رحمته خاصة يدَّخرها للمؤمنين في الآخرة، هذا مع التذكرة والتذكير بالحديث القدسي: " إن رحمتي سبقت غضبي" (عن أبي هريرة، أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة )، والمعنى لدى جمهور المفسرين ومنهم العسقلاني أن رحمة الله تعالى سابقة لأي ابتلاء، لأنها تفضل، لا تحتاج سببا، أما الغضب فهو متوقف على سابقة ما يوجبه.
وفي سورة يونس: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)"، وكما في تفسير البغوي، في الآية 57 :" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ"، تذكرة " مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ " أي: دواء للجهل، لما في الصدور، أي: شفاء لعمى القلوب، والصدر: موضع القلب، وهو أعز موضع في الإنسان لجوار القلب، " وَهُدًى" من الضلالة، " وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " والرحمة هي النعمة على المحتاج، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال رحمه، وإن كان ذلك نعمة، فإنه لم يضعها في محتاج. وفي الآية 58: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ "، قال مجاهد وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن، وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله: القرآن، ورحمته: تزيينه في القلب. وقال خالد بن معدان: فضل الله: الإسلام، ورحمته، السُّنَنْ وقيل: فضل الله : الإيمان، ورحمته: الجنة، " فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله، " هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " أي: مما يجمعه الكفار من الأموال.
ومما يؤكد في القرآن أن الإسلام فضل الله قوله تعالى في سورة الحجرات " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17)"، وقد نزلت كما في تفسير القرطبي، في أعرب من بني اسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة وأظهروا والشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وافسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه. وقال ابن عباس: نزلت - مرتبطة مباشرة بآيات قبلها وبعدها- في أعراب أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا، فأعلم الله أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. وقال السدي: نزلت في الأعراب المذكورين في سورة الفتح، قالوا آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى المدنية تخلفوا. ومن حيث المعنى في الآية وكما في: التفسير الوجيز للزحيلي: يمنون عليك، أي أولائك الأعراب بإسلامهم، ويعدون ذلك مِنَّة ونعمة مقدَّمة منهم، ويتفضلون بقولهم: قاتلك بنو فلان، ولم نقالتك، قل لهم: لا تمتنوا علي إسلامكم، بل الله يمتن عليكم أن أرشدكم ووفقكم للإيمان، إن كنتم صادقين في الدعاء الإيمان. والمن = تعداد النعم.
ومن جهة أخرى، الرحمة وهي منة وفضل من الله تعالى، المؤمنون موعودون بها، خاصة في الآخرة، والله تعالى بعدله واحسانه يوفي لهم الجزاء ويعظم الثواب. والرسول صلى الله عليه وسلم، على تلك الرحمة جبلَهُ الله تعالى فجعلها من خصاله ومؤثرة تأثيرا بليغا في سلوكاته. ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى في سورة آل عمران : " وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) "، أي: ومن خالتفسير الوجيز للزحيلي، في الآية 157: ولئن قتلتم ايها المؤمنون في الجهاد أو متم في سفر أو غيره، فإن مغفرة الله لذنوبكم، ورحمته بكم بدخول الجنة خير مما تجمعون من حطام الدنيا ومنافعها ومتاعها. وفي الآية 158: ولئن مِتم أو قتلتم في اي مكان بالسفر أو بالجهاد أوغيرهما، لتحشرون أي تجمعون إلى الله وحده في الآخرة للحساب والجزاء، أي إن موت بعض إخوانكم يعقبه لقاء في الآخرة (وفي تفسير البيضاوي: على أي وجه اتفق هلاككم، إلى معبودكم الذي توجهتم إليه، وبذلتم مُهَجَكم لوجهه لا إلى غيره لا محالة تحشرون، فيوفي جزاءكم ويعظم ثوابكم). وفي الآية 159: أيها الرسول إن اللين (السهولة وسعة الصدر) في معاملة قومك ما كان إلا بسبب رحمة وضعها الله في قلبك، لتأليف القلوب ونشر الدين، ولو كنت فظا (سيّء الخلق، شرس الطباع) قاسي القلب لا شفقة عندك، لانصرف قومك من حولك وتفرقوا عنك، فتجاوز عما أتوه من زلات، وأطلب المغفرة لهم من الله، واستشرهم في أمور الدين والدنيا، مما لم يرد به الشرع أو لم ينزل فيه وحي، فإذا صمّمت على تنفيذ أمر بعد المشاورة، فامض على ما عزمت عليه مفوضا أمركم إلى الله واثقا به، إن الله يرضى عن المتوكلين الذين يفوضون أمورهم إليه. والتوكل: الاعتماد على الله في كل أمر. وفي سورة التوبة : " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)" أي وكما في التفسير الميسر/ نخبة من العلماء/ المدينة: لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول من قومكم، يشق عليه ما تلقون من المكروه والعنت، حريص على إيمانكم وصلاح شأنكم، وهو بالمؤمنين كثير الرأفة والرحمة.
وفي سورة الأعراف (الآية 156): " عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " أي: أن عذاب الله يصيب به من أضله ورحمته لا نهاية لها، وسعت كل شيء من خلقه (كما في تفسير القرطبي). والملاحظ في تفسير أبي السعود أن في نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذان بأن الرحمة مقتضى الذات، وأما العذاب فبمقتضى المعاصي، وقد بين الله تعالى في نفس الآية (وكما في صفوة التفاسير) أنه سيجعل هاته الرحمة خاصة في الآخرة بالذين يتقون الكفر والمعاصي ويعطون زكاة أموالهم ويصدقون بجميع الكتب والأنبياء، (وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم).
والسنة النبوية استفاضت نصوصها حول الرحمة، ومن ذلك في صحيح البخاري أن ابا هريرة قال: سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول " جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه". وفي ما رواه الشيخان، وبصيغ منها ما عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لن يُدخل، أحدا عملُه الجنةَ" قالوا ولا أنت يا رسول الله، قال : " لا ولا أنا إلاَّ أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسدِّدوا وقاربوا ولا يتمنينَّ أحدكم الموت إما محسنا فلعلَّه أن يزداد خيرا وإما مُسِيئًا فلعله أن يستعتب". والمعنى العام لهذا الحديث، حسب جمهور العلماء، يخلص إلى الحرص على الطاعة وليبقى العمل سببا لجلب رضا الله تعالى ولتبقى الرغبة في الأعمال، السَّداد والصواب، ولا مجال لتمني الموت رجاء التعجل بدخول الجنة والفوز برحمة الله لأن المتمنّي إن كان محسنا ومطيعا يرجى له أن يزداد طاعة فيزداد رضى ورحمة، وإن كان مسيئا عاصيا فإنه يرجى له أن يرجع إلى ربه ويتوب إليه ويرد المظالم ويتدارك ما فاته من الطاعات.
ومن التجليات كذلك لرحمة الله تعالى وعدله ما في الآية 45 سورة فاطر: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا " أي، وكما في تفسير الطبري: ولو يعاقب الله الناس ويكافئهم بما عملوا من الذنوب والمعاصي واجترحوا من الآثام ما ترك على ظهرها من دابة تدِبُّ عليها، ولكن يؤخر عقابهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده محدود لا يقصرون دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه، فإذا أجل عقابهم فإن الله كان بعباده بصيرا، من الذي يستحق أن يعاقب منهم ومن الذي يستوجب الكرامة، ومن الذي منهم في الدنيا مطيعا، ومن كان فيها مشركا، لا يخفى عليه أحد منهم، ولا يعزب عنه علم شيء من أمرهم.
ورحمة الله وعدله يتجليان مرة أخرى وليس أخيرة، من خلال ما في الآيتين (سورة النجم) : " ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) " أي، وكما في الكشاف (تفسير الزمخشري): إن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوَّى هذا الملكوت لهذا الغرض: وهو أن يجازي المحسن من المكلفين والمسيء منهم. ويجوز أن يتعلق بقوله ( من الآية 30 قبله) " هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى " لأن نتيجة العلم بالضال والمهتدي جزاؤهما " بِمَا عَمِلُوا " بعقاب ما عملوا من السوء و "بِالْحُسْنَى" بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى، "الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ " أي الكبائر من الإثم، لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، والكبائر الذنوب التي لا يسقط عقابها إلا بالتوبة، وقيل: التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها "وَالْفَوَاحِشَ " ما فحش من الكبائر، كأنه قال: والفواحش منها خاصة، وقرئ: كبير الإثم أي: النوع لكبير منه. وقيل: هو الشرك بالله و " اللَّمَمَ " ما قل وصغر، والمراد الصغائر من الذنوب. وعن السدي : الخطرة من الذنب. وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا " إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ " حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر والكبائر بالتوبة: " فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ " لا تثنوا عليها، فقد علم الله الزكيَّ منكم والمتقّي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل : كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجَّنا فنزلت. وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به التمدُّح لم يكن من المزكِّين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة وشكر (وفي صفوة التفاسير: لا تشهدوا، بأنفسكم بالكمال والتُّقى، فإن النفس خِسِّيسة إذا مُدحت اغترَّت وتكبَّرت، وهو تعالى العالم بمن أخلص العمل واتقى ربه في السِّر والعلن).
وإن الله تعالى قوي لا يُغلَب ولا ندَّ له، فهو العزيز، وانتقامه عدل واضعا حدّا للظلم وغير راض عن العصيان والمعاصي، وبالفعل: " اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ " ( من الآيات 4 آل عمران و 95 المائدة و 47 ابراهيم). ومن الآية 37 الزمر، تساؤل لشدِّ الانتباه، وتأكيدا لحقيقة مطلقة : " أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ " أي، فالله تبارك وتعالى قوي غالب على أمره، منتقم ممن عصاه " وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ " ( من الآية 7 الزمر) أي، إنه تبارك وتعالى لا يحب لعباده الكفر، لسوء عاقبته، وما قدَّره عليهم إلا لسوء اختيارهم وإصرارهم عليه، وإن تشكروا نعمه عليكم بالإيمان والعمل الصالح فإنه تعالى يرضاه ويحبه لكم لحسن عاقبته ( وهذا كما في التفسير الوسيط/ لجنة من العلماء/ الأزهر). و " اللَّه لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " ( من الآيات 182 آل عمران، و 51 الأنفال و10 الحج)، " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " (من الآية 46 فصلت )، " وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ "، ( من الآية 29 ق ): فعدل الله تعالى فينا، كما جمهور العلماء، وعقابنا حاصل بسبب معاصينا (أو كما قيل خاصة في الكشاف للزمخشري: من العدل أن يعاقب الله المسيء ويثيب المحسن). و" إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" ( الآية 40 النساء)، فهو سبحانه " لَا يَظْلِمُ " أحدا وزن أصغر نملة ( أو هباءة) بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته، " وَإِنْ تَكُ " الذرة "حَسَنَةً " من مؤمن " يُضَاعِفْهَا " من عشر إلى أكثر من سبع مائة " وَيُؤْتِ " من عنده مع المضاعفة " أَجْرًا عَظِيمًا " لا يقدِّره أحد (وهذا في تفسير الجلالين)، و " إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " (الآية 44 يونس)، وما في سياقها أو مماثل لها، في آيات أخرى منها، 57 البقرة، و 9 الروم، و 22 الجاثية، وبحيث التأكيد بوجه عام أن الله تعالى لا يفعل بخلقه ما لا يستحقون، وظلمهم أنفسهم هو مخالفة لأمره، أو كما قال الطبري: الله تعالى لم يسلب هؤلاء الإيمان ابتداء منه بغير جرم سلف منهم، وإنما سلبهم ذلك لذنوب اكتسبوها، فحق عليهم أن يطبع الله على قلوبهم.
وبصفة عامة، كما يستنتج من أقوال العلماء، من عرف رحمة الله وعدله، خشي نقمته، تائبا وطالبا حسن الخاتمة،وهويعلم قول الله تعالى للناس (من الآية 13 الحجرات): " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "، و "أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ " كما في التفسير الوجيز للزحيلي، أفضلكم وأرفعكم منزلة عند الله و " أَتْقَاكُمْ "، كما في تفسير الطبري، اشدُّكم اتِّقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتا ولا أكثركم عشيرة (وبصفة أعم، في كل زمان ومكان، لا أكثركم مالا أوجاها). والآية نزلت بشأن التهكُّم من بلال، حينما رقى على ظهر الكعبة يوم فتح مكة، للآذان فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم وزجرهم على التّفاخر في الأنساب.
ومن الآية (14 نفس السورة) ما فيه كذلك إبراز العدل الإلهي:" وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " أي، وكما في التفسير الميسر /نخبة من العلماء /المدينة: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، إن الله غفور لمن تاب من ذنوبه، رحيم به، وفي الآية زجر لمن يُظهر الإيمان ومتابعة السنة، وأعماله تشهد بخلاف ذلك. (ومما في التفسير الوجيز للزحيلي: " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " لما فرط منكم، وإذا تبتم "رَحِيمٌ " بالتفضل عليكم بقبول التوبة وبالمستغفرين، نزلت الآية في نفر من بني أسد بن خزيمة قدموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر).
وفي سورة الانبياء، الآية 47، ما فيه مرة أخرى وليست أخيرة تبيان مظهر من مظاهر عدل الله تعالى: " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " أي وكما في تفسير البيضاوي: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ " العدل توزن بها صحائف الأعمال. وقيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، وإفراد "الْقِسْطَ " لأنه مصدر وصف به للمبالغة " لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ " لجزاء يوم القيامة أو لأهله أو فيه " فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا " من حقها أو من الظلم " وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ " أي: وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة " أَتَيْنَا بِهَا " أحضرناها، وقرئ "آتينا"، بمعنى جازينا بها من الإيتاء فإنه قريب من أعطينا أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا، والضمير للمثقال وتأنيته لإضافته إلى ال"حَبَّة" ، " وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
وللتذكير والتذكرة، إن في أعظم شهادته بالقرآن (الآية 18 آل عمران): " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ"، إخبار الله تعالى بالبيان والأدلة (في القرآن والسنة) أنه واحد، لا شريك له، وأنه مقيم للعدل بين خلقه وفي جميع أموره، لا إلاه بحق إلا هو، الغالب الذي لا يقهر، الحكيم في صنعه وتدبيره وأفعاله. وشهادة الله هاته تترتب عنها شهادة الملائكة بالإقرار وشهادة أولى العلم من الأنبياء والعلماء والمؤمنين، بالإيمان والإقرار (هذا كما في التفسير الوجيز للزحيلي والتفاسير بوجه عام) .
ومن الأحاديث ذات الدلالات البليغة والمتكاملة، بارزةٌ في طياتها، ومن خلالها مظاهر رحمة الله وعدله، هناك ما روى مسلم، عن أبي ذر الغفاري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عن الله تعالى أنه قال: " يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، ياعبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فنضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لوان أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلُوَمَنَّ إلا نفسه".


ما شاء الله منشور ممتاز بارك الله فيكم و سدد خطاكم و وفقكم للمزيد